التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - ما هي الحياة؟
زرع، فإنّ الحياة تهيمن على العناصر، وترغمها على حلّ تركيباتها، والاتحاد من جديد على أساس صلات اخرى.
والحياة تأتي بمخلوقات في صوَر شتّى من صوَر السلَف، وتمنح هذه الصوَر القدرة على تكرار أنفسها على مدى أجيال لاحدّ لها.
والحياة شديدة الخصب في توالدها، حتى أنّها تعول نفسها، وتطعم من فائضها، ومع ذلك تضبط جميع الكائنات الحيّة، لتمنع أيّ مخلوق من مخلوقاتها، من أن يطغى على العالم. فالجراد مثلًا لو بقي دون ضابط استطاع في بضع سنين أن يلتهم كلّ زرع أخضر، وعندئذٍ تنتهي حياة كلّ حيوان فوق الأرض.
والحياة مثالة، تشكّل الكائنات الحية. وهي فنّانة، تختطّ كلّ ورقة في كلّ شجرة، وتلوّن الأزهار والتفّاح والغابات، وريش عصافير الجنّة. وهي موسيقية، علّمت كلّ طير كيف يشدو بأغاني غرامه، وعلّمت الحشرات كيف ينادي بعضها بعضاً بموسيقى أصواتها المتعدّدة. وهذه الأصوات، سواء أكانت نقيق الضفدعة في الربيع، أم قوق الدجاجة بين صغارها، أم زئير الأسد في صولته، أم تبويق الفيل، تشمل كلّ «برج النغم» للأحاسيس، ولا يفوقها سوى صوت الإنسان في مرونته المدهشة.
والحياة قد جعلت الإنسان وحده سيّداً على تموّجات الصوت مجتمعة وزوّدته بمادّة إنتاجها: فالمزمار والبوق والقيثار، وكذا شعر الخيل، والشمع الذي يُمسح به قوس الكمان، ورجع الصدى من قيثارة الأوركسترا المصنوعة من الخشب، والصوت المنخفض المزدوج الذي هو كصوت الخنزير، وطرقة الجلد على الطبل، كلّ اولاء مدينة بالفضل للحياة!.
والحياة مهندسة، فهي التي وضعت تصميم سيقان الجندب (النطيط) والبرغوث، والعضلات والروافع، والمفاصل، والقلب الذي يخفق دون كلل، ونظام الأعصاب الكهربية لكلّ حيوان، والدورة الدموية الكاملة لكلّ كائن حيّ. وهي تصمم الهندباء البرّية، ثمّ تزخرف بذورها في «شرابات» يحملها كلّ نسيم. والحياة تشكّل الأزهار، وترغم