التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨ - كيف نشأت الحياة؟
الحيّة ليست شيئاً كيموياً عويص التركيب، ومن المستطاع تركيبها ثانية إذا حلّلت، ولكنّها لاتكون نواة حيّة، إذ تكون قد فقدت بين التحليل والتركيب سرّاً هو سرّ الحياة، فما هو ذلك السرّ؟
لاجَرَمَ أنّ الإنسان سائر من طريق العلم إلى الاعتراف بالعجز، فكلّما كشف لنا عن سرّ من أسرار هذا الكون الفسيح ألفاه محوطاً بكثير من الأسرار الاخر التي يعجز الفكر الإنساني أزماناً طوالًا دون معرفة كنهها. وستتدرّج الإنسانية في كشف المُغمضات حتى تنتهي إلى حدٍّ تتكاثف عنده ظُلمات تلك الأسرار، وإذ ذاك يقف الفكر معترفاً بالعجز.[١]
*** و «التولّد الذاتي» رأي ظهر في أواسط القرن التاسع عشر نتيجةً لسلسلة بحوث منظومة قام بها فحول من العلماء في القرن الثامن عشر، أو قرن «المادّية» كما يقولون، قالوا: إنّ الإنسان إذا استطاع أن يبرهن على التولّد الذاتي في الأجسام التي لاحياة فيها، تيسّر له أن يبرهن عليه في الأجسام الحيّة.
وقد يتبادر إلى الأذهان أن التولّد الذاتي لزام للنشوء والارتقاء، لولا أنّ الحقيقة على نقيض ذلك، فإنّ التطوّر لايبحث إلّا فيما بعد أصل الحياة من نشوء بعض الصور من بعض على مَرِّ الزمان، وبتأثير نواميس طبيعية، قدنعرف بعضها وقديغيب عنّا البعضُ الآخر. أمّا القول بالتولّد الذاتي فقد أتى من رأيٍ شاع في القرن الثامن عشر هو القول بقدم العالم، الذي كانت من نتيجته إنكار «علّة اولى واجبة الوجود بذاتها».
*** القول بقدم العالم قول تدرّج الباحثون منه إلى إنكار علّة اولى واجبة الوجود بذاتها.
ولأجل أن يؤيّدوا مذهبهم أرادوا أن يطبّقوه على عالم الحياة، فقالوا بالتولّد الذاتي اعتباطاً ومن غير أن تمسّ إحدى المسألتين بالاخرى. لأنّ إثبات التولّد الذاتي أو نفيه لايترتّب عليه مطلقاً القولُ بإنكار «علّة اولى». لأنّنا لو فرضنا أنّ الحياة قد نشأت من
[١] - أصل الأنواع، ص ٢٧.