التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - أول ظهور الحياة على وجه الأرض
وجودها على وقوع انقلاب كبير في سير الحياة. فكلّ الحيوانات التي ذكرنا من قبل كانت رخوة القوام ليّنة الأجسام، معدومة العظام، ولو أنّ بعضاً منها كالسراطين والمحار وقنافذ البحر قد اختصّت بأصداف تقي ذواتها من العطب. أمّا الصوَر الجديدة فكان لها حبل متين يمتدّ طوال الجسم ويسمّى علميّاً «الرتمة».
وكان ظهور هذا الحبل أوّل مدرج من مدارج التطوّر نحو تكوين «القفار» أو «الصلب» المؤلّف من أجزاء عظمية، كلّ منها يسمّى «قفارة».
أمّا أوالي الحيوانات ذوات الرتمة- و قدنسمّيها علميّاً «الرتميّات»- فكانت سهمية الشكل ومن أهل الماء وأشهرها «الاطريف» وقديسمّى «السهيم» أو الحرب أيضاً. ومن «السهيم» نشأت الأسماك.
و قد بدأت بالصورة ذوات الهيكل الغضروفي وأترابها، ثمّ ظهرت الأسماك ذوات الهياكل العظيمة الصلبة، كالصمون والقدّ والفرخ، كما تفرّع من «الحريب» صورة اخرى كالسباذج والجلكيّات، وهي من الأحياء التي لاترتمة لها، أي ليس لها حبل ظهري إلّا عندما تكون صغيرة وفي أول عهدها بالحياة.
أمّا الأحياء التي نشأت من بعد ذلك فجميعها من ذوات القفار، وبذلك انقسمت الأحياء قسمين عظيمين: اللافقريات (معدومات الفقار)، والفقاريات (ذوات الفقار).
ظهر بعد ذلك أسماك متطوّرة تستطيع أن تعيش في الطين اللازب، إذا ما غاض الماء في فصول الجفاف. وبدلًا من أن تتنفّس بخياشيمها كبقية الأسماك نشأ لها مع هذا التطوّر جهاز آخر هي عبارة عن رئات أوّلية، تحوّلت عن مثانة السبح (العوّامة) فتدرّعت بذلك في معركة الحياة بجهازين للتنفّس. ومن ثمّ سمّيت هذه الأسماك «ذوات التنفّسين».
ومن ذوات التنفّسين تنشّأت البرمائيات (الكائنات البرّية المائية) كالضفادع وماإليها. وهي التي تستطيع العيش في اليابسة، كما تستطيع العيش في الماء، ومن البرمائيات تنشّأت الزواحف كالعظايا والتماسيح والحيّات. ومن فرع من الزواحف تنشّأت الطيور.