التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨ - الماء أصل الحياة
مِنْ ماءٍ». قال: وفي ظلّ البحوث العلميّة الحديثة ظهرت صلة الحياة بالماء[١] معجزة قرآنيّة خالدة.
*** قال سيّد قطب: وأمّا قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» فيقرّر حقيقة خطيرة يَعُدُّ العلماء كشفها وتقريرها أمراً عظيماً. ويُمجّدون «دارون» لاهتدائه إليها! وتقريره: أنّ الماء هو مهد الحياة الأوّل.
و هي حقيقة تثير الانتباه حقّاً، و إن كان ورودها في القرآن الكريم لايثير العجب في نفوسنا، ولايزيدنا يقيناً بصدق هذا القرآن. فنحن نستمدّ الاعتقاد بصدقه المطلق، فيكلّ ما يقرّره، من إيماننا بأنّه من عند اللّه، لا من موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له.
وأقصى ما يقال هنا كذلك: إنّ نظرية النشُوء والارتقاء لدارون وجماعته لاتعارض مفهوم النصّ القرآني في هذه النقطة بالذات.
ومنذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يوجّه أنظار الكفّار إلى عجائب صنع اللّه في الكون، ويستنكر أن لايؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود «أَ فَلا يُؤْمِنُونَ؟» وكلّ ماحولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبّر الحكيم.[٢]
وقال أيضاً- عند قوله تعالى: «وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ»-: وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة- حقيقة أنّ كلّ دابّة خُلقت من ماء- قدتعني وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعاً، وهو الماء. وقد تعني مايحاول العلم الحديث أن يثبته من أنّ الحياة خرجت من البحر ونشأت أصلًا في الماء، ثمّ تنوّعت الأنواع، وتفرّعت الأجناس.
ولكنّنا نحن على طريقتنا في عدم تعليق الحقائق القرآنيّة الثابتة، على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل. لانزيد على هذه الإشارة شيئاً، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية، وهي أنّ اللّه خلق الأحياء كلّها من الماء، فهي ذات أصل واحد. ثمّ هي- كما ترى
[١] - الميزان، ج ١٤، ص ٣٠٥.
[٢] - في ظلال القرآن، المجلّد ٥، ص ٥٣١.