التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٥ - الحقوق الخاصة والحقوق العامة
يتعارف ويتواضع على أساليب واصول في التعامل وإنْ كانت غير مشروعة في نظر الشرع. وهذا أمرٌ لايؤدّي إلى انفراط عقد المجتمع، ولا إلى فوضى الحقوق والواجبات، وهو ربما يمكن تلافيه وإصلاحه. بينما لو قدّر أن يحدث مثل هذا الانفلات في نطاق الاسرة لأدّى ذلك إلى الانهيار الشامل الذي لاإصلاح بعده، ولا استدراك لما يمكن أن ينشأ من جرائه. ومن هنا نلاحظ تكرار مثل قوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها»[١] ونحو ذلك.
الحقوق الخاصّة والحقوق العامّة
يهدف القرآن الكريم- في عملية تقنين المجتمع- إلى ضبط الفعّاليّات الاجتماعية المتنوّعة، سواء في نطاق التعامل المالي أو غيره، ويرمي أول ما يرمي إلى الحيلولة دون نشوء حالة النزاع والخصومة، وذلك بإقرار الحقوق والواجبات، كما يستفاد مثلًا من قوله تعالى: «وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ»[٢] إذا أعطينا صفة التعميم لهذه القاعدة. وبحاكمية نفي الضرر،[٣] بمعنى أنّه- أي القرآن- في الوقت الذي يقرّ للإنسان حقّا يفرض عليه واجبا فالإنسان في ممارساته لحقّه في التصرّف الشرعي مثلًا يلزم أن لايُلحق بالغير ضررا، وهذا ما يستفاد مثلًا من قوله تعالى: «وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ».[٤] وقوله تعالى: «وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً»،[٥] وقوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ»[٦] وقوله تعالى: «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ».[٧]
ومع كلّ ذلك فإنّ وقوع النزاع والتخاصم أمرٌ لامفرّ منه، ولذا اتّجه القرآن في هذا الصدد إلى وضع لائحة النظام القضائي، كما سنشير إليه في محلّه.
[١] - البقرة ٢٢٩: ٢.
[٢] - البقرة ٢٢٨: ٢.
[٣] - راجع في حاكمية قاعدة الضرر من كتاب فرائد الاصول، ص ٢٩٦ الطبعة القديمة- قم، وص ٥٣٥، مؤسّسة النشر الإسلامي.
[٤] - البقرة ٢٨٢: ٢.
[٥] - البقرة ٢٣١: ٢.
[٦] - النساء ١٢: ٤.
[٧] - البقرة ٢٣٣: ٢.