التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٢ - تقنين الاسرة
الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ...».[١] وفي سورة اخرى «وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً».[٢] وفي الكشّاف قال في التفسير: وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا ثمّ إليَّ مرجِعُكَ ومرجعُهما فاجازيك على إيمانك واجازيهما على كفرهما، علم بذلك حكم الدنيا ...[٣]
ونظرا لما يتميّز به القرآن الكريم من الواقعية ومعرفة خصائص البشر وطبيعتهم، ونظرا لكونه الشريعة الخالدة لكلّ البشر في جميع الأزمان، فقد أخذ في حسابه وقوع الافتراق بين الزوجين، وأعطى هذا الأمر مشروعيةً في الحالات الموجبة، ولكنّه تدخّل في هذه المسألة، ووضع جملةً من القواعد الملزمة والإجراءات المناسبة، تقليصا لما ينتج عنه من آثار، ورعايةً لحقّ المرأة من جهة اخرى، قال تعالى: «إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ».[٤]
والظاهر هنا كما يقول الأردبيلي: إنّه لابدّ من وقوع الطلاق في وقت خاصّ صالح للعدّة، وإنَّ ذلك واجبٌ وشرط للصحّة لأنّها واردة لبيان تعليم الطلاق،[٥] ثمّ ينتقل القرآن إلى أمر آخر يتّصل بالسابق فيقول: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ».[٦] ثمّ يقول لاحقا: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ».[٧] والعضل يعني الحبس والتضييق.
ثمّ يبيّن التعليمات الاخرى فيما يتعلّق بمسألة العدّة فيقول:[٨] «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها
[١] - العنكبوت ٨: ٢٩.
[٢] - لقمان ١٥: ٣١.
[٣] - الكشّاف، ج ٣، ص ٤٩٤.
[٤] - الطلاق ١: ٦٥.
[٥] - زبدة البيان، ص ٥٩١.
[٦] - البقرة ٢٣١: ٢.
[٧] - البقرة ٢٣٢: ٢.
[٨] - زبدة البيان، ص ٥٨٨.