التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٩ - تقنين الاسرة
تقنين الاسرة
إنَّ الاسرة في نظر القرآن الكريم تُعدُّ اللبنة المهمّة في البناء الاجتماعي، وعلى مدى سلامتها ومتانة العلاقات القائمة في داخلها يتوقّف سلامة البناء برمّته. ولقد أشارت الآية المباركة إلى هذه الحقيقة «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً ...».[١] كما أشار القرآن إلى أمر له مدخلية في استقامة البناء الاسري، قال تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً ...».[٢] فالسكن هنا والمودّة والرحمة عناصر أساسية في التماسك. ثمّ لفت القرآن النظر إلى أنّ الزواج- وفق قواعد الشرع- يتّسق ويتناغم مع سائر الوجودات الاخرى التي هي من بدائع صنع اللّه تعالى، فقال تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ».[٣] إذ فيها تنبيه إلى أنَّ ظاهرة الزوجية تحكم الموجودات كلّها، وأنّ هذه الموجودات تجري على نواميس وقوانين لاتحيد عنها. قال تعالى: «وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ».[٤] وقال تعالى: «وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ».[٥] وقال تعالى: «وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ».[٦] وفي كلّ ذلك تنبيهات وإشارات واضحة إلى تحكّم القوانين في كلّ أنحاء الوجود وأجزائه.[٧] وبناءً على ذلك، فإنّ الاسرة يجب أن تتكوّن وتتشكّل وفق قانون، وإنّها يجب أن تنضبط فعاليّاتها وفق قانون، وأن تنشأ العلاقات وتتوزّع الحقوق والواجبات أيضا وفق قانون.
لقد جعل القرآن الكريم قيام الاسرة على أساس المودّة والرحمة، كما اشير في الآية المذكورة، وألزم الزوج بالمعاشرة بالمعروف كما في قوله تعالى «وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».[٨] والأمر هنا ليس «وعظيا» بل هو يتضمّن صفة الإلزام،[٩] وهنا أصل عظيم
[١] - النساء ١: ٤.
[٢] - الروم ٢١: ٣٠.
[٣] - يس ٣٦: ٣٦.
[٤] - الجاثية ٢٢: ٤٥.
[٥] - الحجر ١٩: ١٥.
[٦] - يس ٣٨: ٣٦.
[٧] - الميزان، ج ٥، ص ٣٠، وأيضا ج ١٧، ص ٨٨- ٩١.
[٨] - النساء ١٩: ٤.
[٩] - زبدة البيان للأردبيلي، ص ٦٠٧.