التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - لمحة خاطفة عن بناية التشريع الإسلامي في ضوء النظرية القرآنية
وقال تعالى: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ».[١]
وقال تعالى: «وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ».[٢]
ثمّ أوكل لرسوله الكريم نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله وأهل بيته الطاهرين- بلحاظ أنّهم من الراسخين في العلم الذين يعلمون التنزيل، ويعلمون المحكم والمتشابه- أوكل إليهم البيان والإيضاح.
ومن هنا يكون قد قطع العذرَ على كلّ أحد «وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا».[٣]
رابعا: لقد نهانا اللّه تعالى عن الاحتكام إلى الطاغوت، أو إلى الأهواء، قال تعالى:
«يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»،[٤] وقال تعالى: «وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ».[٥]
وقال تعالى: «وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ».[٦]
والطاغوت «هو كلّ رئيس في الضلالة، وكلّ من يُعْبَد من دون اللّه، وكلّ شيطان، وكلّ كافر»،[٧] استنادا إلى هذه المجموعة من الآيات، فلولم يكن القرآن الكريم قد تعهّد وتكفّل بالوفاء بكلّ ما يحتاجه البشر، ولو لم يشتمل ويتضمّن حلًاّ ومعالجةً للخصومات والنزاعات، وفق أحكام محدَّدةٍ، لما كان معنًى للنهي عن الاحتكام إلى الآخرين، بالأخصّ وأنّ الإطلاق الوارد في النهي عن الاحتكام إلى الطاغوت، ينصرف إلى مطلق الأحكام غير الإلهية، يؤيّد ذلك ما جاء عن الامام الصادق عليه السلام كما في رواية أبي بصير أنّه قال: من حَكَم في درهمين بغير ما أنزل اللّه عزّوجل فقد كفر باللّه تعالى.[٨]
إنَّ ما استظهرناه من هذه الشمولية والاستيعاب، والاسس التي اعتمدناها في ذلك، استفدناه أيضا ومباشرةً ممّا نبّه إليه رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام،
[١] - ص ٢٩: ٣٨.
[٢] - القمر ٢٢: ٥٤.
[٣] - الأنعام ١١٥: ٦.
[٤] - النساء ٦٠: ٤.
[٥] - البقرة ١٤٥: ٢.
[٦] - المائدة ٤٩: ٥.
[٧] - مجمع البحرين لفخرالدّين الطريحي، ج ١، ص ٢٧٦ باب الألف أوله طاء؛ وراجع: الكشاف للزمخشري ج ١، ص ٥٢٥.
[٨] - وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ٣٣، حديث ٦، باب ٥ من أبواب صفات القاضي.