التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٢ - عبادات الإسلام
لاشكّ أنّه خليقٌ بأن يحظى بالتقدير والاحترام، وهو دين الإسلام.
و إنّها لطبيعة مميّزة في الإسلام- كما دعا إليه صاحب الشريعة- إنّه يضمّ في ذاته أنبل المظاهر في الديانات العقلية السماوية، وخصوصا تلك التي تتّفق مع العقل والتهذيب الأخلاقي في الإنسان. وليس الإسلام مجرّد نظام ذي قواعد أخلاقية إيجابية تقوم على أساس الإدراك الصحيح للتقدّم البشري فحسب، بل إنّه تقرير بضعة مبادئ رفيعة، وتأكيد على أشكال سليمة من التصرّف، و ترقيه خيّرة لطاقه العقل التيهى الضمير الحيّ فيالإنسان.
أمّا قابلية المفاهيم الإسلامية للتكيّف حسب العصور والامم، وانسجام تلك المفاهيم المتساوقة مع روح العقل، وانعدام القواعد الغامضة التي تلقى ظلًاّ مشبوها على الحقائق المتضمّنة في قلب الإنسان، فكلّ ذلك يثبت أنّ الإسلام مثّل أحدث وأرقى تطوّر في الغريزة الدينية عند الإنسان.
ولا نعدو الحقيقة حين نجزم بأنّ شريعة الإسلام وحدها بين جميعالشرائع الاخرى تجمع ما بين المفاهيم التي ساعدت على تكوين السلوك القويم في النفس البشرية في مختلف العصور، وبين قيمة النفس الإنسانية التي كانت تحظى بتقدير كبير في الفلسفات القديمة.
والحقيقة أنّ الاعتقاد بمحاسبة الإنسان على كلّ عمل يأتيه «ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً».[١]
إن هذه العقيدة تدفع المسلم إلى الاتّزان في سلوكه، كما يعمّق في نفسه جذور العاطفة وحبّ الخير العام.
أمّا الاعتقاد بالعناية الربّانية والرحمة والحبّ وقدرة اللّه المطلقة فهو يؤدّي به إلى الخضوع أمام ربّه العليّ القدير، ويجعله يمارس تلك الفضائل البطولية التي نشأ عنها ما يرمي به المتعصّبون ضدّ الإسلام من أنّه دين زهد وتقشّف، وكذلك قولهم: إنّه يعتمد على الصبر والاعتزال والشدّة في تجربة النفس، والإسلام يجعل المرء يحاسب ضميره بشدّة
[١] - الكهف ٤٩: ١٨.