التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٠ - عبادات الإسلام
نحو تصعيد سليم. إنّ إنزال الأذى غير الضروري والّذي لاطائل تحته بالجسد مكروه في نظر الإسلام، بل إنّه محرّم، والصيام مفروض على الأصحّاء القادرين، كوسيلة لتقييد الروح بفرض حدود معيّنة للجسد.
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».[١]
فالصوم إنّما شرّع لأجل زرع فضيلة التقوى في النفوس، في أيّام معدودات، سوى المريض والمسافر، ولسوى من يبلغ غاية طاقته. نعم، الصوم تطوّع بالخير، فمن تطوّع خيرا فهو خيرٌ له، خيرٌ لنفسه وخيرٌ لمجتمعه وخيرٌ للناس أجمع. إنّ اللّه لايريد عسرا بالعباد ولازجرا للنفوس، وإنّما هو تكميل لمراتب كمال النفس وتربيتها على التروّض عن مهابط اللذائذ الخسيسة، وإكبار وإعظام لمقامه تعالى، شكرا على جزيل نعمائه.
نعم، لاشكّ أنّ اولئك الذين قد اطّلعوا على شيء من تبذّل الاغريق والرومان والفرس وعرب الجاهلية وإغراقهم في إشباع شهواتهم و تردّيهم في رذائلهم، سيقدّرون قيمة الصيام ويدركون حسن تكييفه في شريعة الإسلام. ولابدّ للمنصفين فيهم أن يعترفوا بحكمته طريقا للحدّ من الغرائز الحيوانية عند الإنسان، الأمر الذي امتاز به الإسلام على سائر الأديان.
وليس هنالك دين قبل الإسلام في العالم، كرّس الصدقة، وإعالة اليتيم والأرملة والعاجز الضعيف، بأن شرّع مبادئه فجعل تلك الأعمال إيجابية أساسية في أركانه.
لقد كانت أعياد «الأغابي» أو ولائم الصدقة بين المسيحيين تعتمد على مشيئة الأفراد- كيف يقيمونها وينفقون على الضعفاء- ومن ثمّ كان تأثيرها غير منتظم ولاشافيا.
[١] - البقرة ١٨٣: ٢- ١٨٥.