التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٥ - معارف سامية وشرائع راقية
إنّ القيم الساطية على البيئات هي التي توجّه مسيرة الإنسان في مشاعره وفي أفكاره. فلابدّ أن يكون ما يضعه من قانون وشريعة هي مسيّرة من خارج ذاته الإنسانية الرفيعة التي خلقه اللّه تعالى عليها حسب فطرته الأوّلية.
إنّ نزعات القومية والوطنية واللونية واللسانية- فضلًا عن القبائلية والبلدية- كانت قيودا لايستطيع الإنسان الانفلات منها ما دام رهن ميوله واتّجاهاته البشرية السافلة.
*** نعم، كانت الشرائع السماوية هي المتحرّرة عن كلّ هذه القيود، ومن ثمّ جاءت صافية ونقية، ونزيهة عن كلّ دنس وخسيسة بشريّة، ممّا افتقدته الإنسانية منذ قرون، حيث جاء القرآن الكريم بشرائعه طاهرة زكية.
كان الإنسان في عهد نزول القرآن يعيش في ظلمات الغيّ والجهالة، وفي لفيف من أنظمة كانت صبغتها الظلم والعتوّ على صنوف الإنسان العائشة تحت سيطرة أقوام مستكبرين ومستهترين بمبادئ الإنسانية الكريمة. وكانت القوانين الحاكمة على البشرية حينذاك ضامنة للمستعلين فيالأرض مصالحهم دون المستضعفين- وهم أكثر سكّان هذه البسيطة المظلومون- قد هضم حقّهم وسحقت كرامتهم وربطوا ربط المواشي والأغنام.
*** في هذا الجوّ المظلم والبيئة الحالكة جاء القرآن الكريم بمشاعل وهّاجة ومصابيح وضّاءة، تنقشع عن البشرية سحب الظلام وتنكشف على الإنسانية كرامة ذاته الأصيلة.
فقد جاء بأنظمة وقوانين ترفع بالإنسان إلى كرامته العليا وتسعده في الحياة سعادة شاملة وكافلة لجميع البشرية العائشة على الأرض، على حدّ سواء، لاميز لقبيلة على اخرى، ولا لأهل بلد على آخرين، ولا للغة دون اخرى، كلّهم بنو آدم، وآدم من تراب «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».[١]
[١] - الحجرات ١٣: ٤٩.