التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - معارف سامية وشرائع راقية
خلق من أجلها العباد.
نعم، كان القرآن الكريم هو الذي تعرّض لحلّ معضلة الحياة وفصّل الكلام عن بدء الخليقة والغاية عن الوجود وكشف عن سرّ الحياة، تفصيلًا مستوفىً بما لم يدع مجالًا لمسارب الشكّ في مسائل الحياة في المبدأ والمعاد. وأجاب عن مسائل ممّا لم يكد يعرفه الإنسان. «وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ».[١]
الأمر الذي جعل من القرآن آية باهرة ومعجزة قاهرة، دلّت على أنّه ليس كلام البشر، وإنّما هو وحي أنزله اللّه تعالى هدىً ورحمةً للعالَمين.
*** كما وأتحف للبشرية جمعاء برامج لنظم الحياة وليعيش في سلامة وتُؤَدة وهناء، ممّا لم يسبقه- كما لم يلحقه- شريعة وضعها الإنسان.
كانت الأنظمة التي وضعها الإنسان لنظم حياته غير كافلة لسعادته، فإنّها وإن كانت راقية من جانب لكنّها كانت سافلة وسحيقة من جوانب اخر، كانت مناشئ الخسّة والدناءة عليها بادية.
الإنسان مهما ارتقى في مدارج الكمال فإنّه لايمكنه الانطلاق من قيود نزعاته الهابطة التي تربطه بخسائس الأرض أكثر ممّا يرتقيه إلى آفاق السماء. الإنسان لايستطيع التخلّص من براثن الحيوانية والبهيمية التي تتحكّم في نفسه إذا لم تكن مهذّبة تهذيبا يتناسب ومعالي الإنسانية الرفيعة.
ومن ثمّ فإنّ سماته الخسيسة سوف تبدو على ما يضعه من قانون أو يعرضه من شرائع وأنظمة لتنظيم الحياة. وكلّ إناء بالذي فيه ينضح. إنّ ما يأتي به الإنسان من علم ومعرفة إنّما هي ترشّحات نفسه وصفاته الباطنة في شخصه. إنّ فكرة الإنسان وليدة مشاعره عن هذه الحياة، إنّه يفكّر حسبما يعيش، كما يعيش حسبما يفكّر، لأنّ الإنسان وليد جامعته ونتيجة بيئته. والبيئة هي التي تكوّن شخصية الأفراد الناشئة منها، فكيف يحاول الترقية ببيئته وهو حصيلها!!
[١] - العلق ٣: ٩٦- ٥.