التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٠ - ٣ - غيب المستقبل
جاء به. مثلًا لو آمن أبو لهبَ لما كان لقوله تعالى: «سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ» منصرف ولا واقع مفهوم، ولأصبحت هذه الآية- مثلًا- في وادٍ والواقع في وادٍ آخر.
قال الدكتور مصطفى مسلم: وكيف كان محمّد صلى الله عليه و آله يقابل الناس بها، وقد أصبح أبولهب من الصحابة كعمربن الخطّاب وأحزابه من الّذين كان لهم موقف معادٍ للإسلام قبل أن يدخلوا فيه.[١]
هذه معجزة القرآن الباهرة، وأيّ معجزة أبهر وأقهر من أمرٍ لايكلّف صاحبه أكثر من كلمة يقولها بلسانه، فيبطل بها قول محمّد صلى الله عليه و آله ويفسد أمره جميعه، ثمّ لا يقول تلك الكلمة، ولاتسمح له الحياة أن يقولها، فقد عاجلَته المنيّة قبل يوم الفتح الذي دخلت فيه قريش كلّها الإسلام واعتنقته رغم انوفها. فربّما كان مصير أبي جهل وأبي لهب والوليد مصير سائر صناديد قريش لو عاشوا ذلك اليوم. فلو كان لكان إسلامهم إذ ذاك هدما للإسلام بتقويض أكبر دعامة له والعياذ باللّه.
أفلا يدلّ ذلك جليّا أنّ القرآن كلامه تعالى، كلام مَن خلق الموت والحياة، والذي بيده الآجال، ومصير كلّ شيء بيده، ومآل كلّ أمر إليه؟! وهو الذي ضمن حفظ دينه وكتابه: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ».[٢]
«وَ ما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ».[٣]
*** ولو ذهبنا نتتبّع أخبار القرآن الغيبية لطال بنا المسير، وإنّما نشير إلى جملة من الآيات الكريمة في هذا الشأن:
قال تعالى بشأن المشركين يوم كانوا على ذروة العزّة والشقاق وكانوا ذوي قدرة واتّفاق، فأخبر عن تفرّقهم و تبدّد جمعهم وهزيمتهم تجاه شوكة الإسلام:
[١] - انظر: مباحث في إعجاز القرآن، ص ٢٤٧- ٢٥٦ ط جدّة.
[٢] - الحجر ٩: ١٥.
[٣] - يونس ٣٧: ١٠.