التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٦ - ٣ - غيب المستقبل
وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».[١]
هذه الآيات نزلت بعد منصرفه صلى الله عليه و آله من غزوة تبوك، وكان صلى الله عليه و آله قد وعدهم بالصلاة في مسجدهم، فجاءت الآيات نهيا وتحذيرا، فدعا رسول اللّه صلى الله عليه و آله مالك بن الدخشم وابن عدي وقال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرّقاه، ففعلا.[٢]
٣- غيب المستقبل
إخبار عن حوادث ستقع في مستقبل قريب أو بعيد، ولاسيّما القريبة منها كانت دلائل على صدق النبوّة، وأمّا البعيدة منها فهي ما ينتظر دورها والزمن كفيل بإظهار ذلك للأجيال، الأمر الذي لايمكن البتّ بوقوعه فيما يأتي لسوى علّام الغيوب.
من ذلك، التحدّي بالقرآن بالنسبة إلى أجيال قادمة، ممّا يجعل القطع في مثله دليلًا على تداوم الإعجاز من ناحية التحدّي عبر الأيّام.
قال تعالى: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا ...».[٣]
فهذه القاطعية في عدم إمكان المعارضة مدى الأجيال لدليل قاطع على صدق الرسالة، وأنّه من كلامه تعالى العالم بما كان وما يكون.
الإنسان مهما بلغ من قدرة على الكمال والعلم والأدب، فإنّه إن أمكنه التحدّي مع
[١] - التوبة ١٠٧: ٩- ١١٠.
[٢] - سيرة ابن هشام، ج ٤، ص ١٧٤.
[٣] - البقرة ٢٣: ٢- ٢٤.