التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٣ - مسيرة الأرض والجبال
وليست حركة الجبال في مسير الفضاء سوى حركة الأرض الانتقالية في دورتها السنوية حول الشمس، أو حركتها الوضعية حول نفسها. وعلى كلا المعنيين فيدلّ ذلك على حركة الأرض دون وقوفها وهدوئها. وهذا بالرغم من الرأي السائد ذلك الحين القائل بسكون الأرض وكونها في مركز الأفلاك الدائرة حولها.
وجاءت دلالة الآية على حركة الأرض دلالة تبعيّة، من قِبَل نسبتها إلى مجموعة الجبال، فالجبال بمجموعتها تسير سيرها الحثيث، الأمر الذي لايكون إلّا بحركة كتلة الأرض كلّها.
*** أمّا وما هذه الحركة وما هذه المسيرة الأرضية؟
١- قال أكثر المفسّرين: إنّها تسيير الجبال نحو الفناء، إحدى علائم قيام الساعة نظير قوله تعالى: «وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً»[١] وقوله: «يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً. وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً».[٢] وقوله: «وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً».[٣] إلى غيرهنّ من آيات كثيرة بنفس المضمون.[٤]
قال الإمام الرازي: إعلم أنّ هذا هو العلامة الثالثة لقيام القيامة، وهي تسيير الجبال.[٥]
وقال سيّدنا الطباطبائي قدس سره: بما أنّ الآية واقعة في سياق آيات القيامة، ومحفوفة بها فهي تصف بعض مشاهد ذلك اليوم الرهيب، ومن جملتها تسيير الجبال. وقوله: «وَ تَرَى الْجِبالَ» تمثيل لتلك الواقعة، نظير قوله: «وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى»[٦] أي تلك حالتها المشهودة في ذلك اليوم العصيب لو كنت شاهدها.[٧]
لكن لحن الآية ذاتها تأبى هذا الحمل، ولاسيّما مع تذييلها بقوله: «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ». الأمر الذي يدلّ على أنّها بصدد بيان مظهر من مظاهر قدرته تعالى ولطيف
[١] - الكهف ٤٧: ١٨.
[٢] - الطور ٩: ٥٢- ١٠.
[٣] - النبأ ٢٠: ٧٨.
[٤] - مريم ٩٠: ١٩، الواقعة ٥: ٥٦، الحاقّة ١٤: ٦٩، المعارج ٩: ٧٠، المزّمّل ١٤: ٧٣، المرسلات ١٠: ٧٧.
[٥] - التفسير الكبير، ج ٢٤، ص ٢٢٠.
[٦] - الحجّ ٢: ٢٢.
[٧] - الميزان، ج ١٥، ص ٤٤٠.