التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٠ - «والجبال أوتادا»
يكون بروز الجبال في موضع معادلًا لانخفاض الأرض في موضع آخر. وعلى أيّة حال فهذا النصّ يثبت للجبال علاقة بتوازن الأرض واستقرارها. فلنترك للبحوث العلمية كشف الطريقة التي يتمّ بها هذا التوازن، فذلك مجالها الأصيل.[١]
*** وقال الاستاذ الطنطاوي: مرّت على الأرض أدوار ستّة مقسّمة إلى ٢٦ طبقة، والدور الأوّل منها كان عبارة عن الزمن الذي كُوّن فيه على الكرة الأرضية النارية قشرةٌ صوانية[٢] صلبة، ومعلوم أنّ الأرض كانت نارا ملتهبة فبردت قشرتها وصارت صوانية، وهي الغلاف الحقيقي لتلك الكرة النارية، ولاتزال الأرض تخرج لنا من أنفاسها المتضايقة ونارها المتّقدة في جوفها كلّ وقت نارا بالبراكين. فهذه البراكين أشبه بأفواه تتنفّس بها الأرض لتخرج بعض النار من باطنها، ثمّ يخرب ذلك البركان وينفتح بركان اخر. وهذه البراكين تخرج نارا وموادّا ذائبة تدلّنا على أصل أرضنا، وما كانت عليه قبل الدهر.
فهذه القشرة الصلبة[٣] لولاها لتفجّرت ينابيع النار من سائر أطرافها كما كانت بعدما انفصلت من الشمس كثيرة الثورات والفوران. وهذه القشرة الصوانية البعيدة المغلّفة للكرة النارية هي التي نبتت منها هذه الجبال التي نراها فوق أرضنا، كما يقوله علماء طبقات الأرض.
فمن هنا ظهر أنّ هذه الجبال جعلت لحفظها من أن تميل، لأنّ الطبقة الصوانية هي الحافظة لكرة النار التي تحتها، والكرة الصوانية هذه نبتت لها أسنان طالت وامتدّت حتى ارتفعت فوق الأرض، فلو زالت هذه الجبال لبقي ماتحتها مفتوحا، وإذ ذاك تثور البراكين آلافا مؤلّفة وتضطرب الأرض اضطرابا عظيما وتزلزل زلزالًا شديدا، لأنّ البراكين وثورانها زلزلة.
[١] - في ضلال القرآن، المجلّد ٥، ص ٥٣١.
[٢] - ضرب من الحجارة فيه صلابة يتطاير منه الشرر عند قدحه بالزند، استعمله الإنسان في عصر ما قبل التاريخ في صناعة أدواته البسيطة وفي آلات الصيد، وهو حجر صلد من المرو يوجد في شكل عروق بطبقات الحجر الجيري من الأرض.
[٣] - وقدّر سمك القشرة الصلبة الأرضية العليا بمئات الأميال. مبادئ العلوم، ص ٤٣.