التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٦ - «والجبال أوتادا»
قال عليه السلام: ووتّد بالصخور مَيَدان أرضه.[١] أي ثبّتها فيها لتحول دون اضطرابها.
والمَيَد والمَيَدان: الحركة والاضطراب ضدّ السكون والهدوء.
وفي خطبة اخرى أوضح هذا المعنى بتفصيل أكثر، قال:
وجَبَلَ جلاميدها، ونشوز متونها وأطوادها، فأرساها في مراسيها، وألزمها قراراتها.
فمضت رؤوسها في الهواء، ورست اصولها في الماء. فأنهد جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها في متون أقطارها، ومواضع أنصابها. فأشهق قلالها، وأطال أنشازها. وجعلها للأرض عمادا، وأرّزها فيها أوتادا. فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها، أو تسيخ بحِملها، أو تزول عن مواضعها. فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها.[٢]
وإليك شرح الغريب من ألفاظ الخطبة:
جلاميد: جمع جُلمُود، وهو الصخر الصلب. وجبل الشيء بمعنى خلقه وفطره، ومنه الجِبلّة بمعنى الفطرة وأصل الخلقة.
وأنهد الشيء: رفع به وعظّمه. ومنه النهد بمعنى الثدي. يقال: نهد الثديُ أي كعب وانتبر وأشرف.
والأنصاب: جمع نَصب هي مواضع نصب الجبال.
وساخ في الشيء: غاص فيه ورسب. وساخ بالشيء: انخسف به. والموجان: الهياج.
*** وأمّا ما يستفاد من هذا الكلام الذهبي فشيء كثير، نشير إلى ما يخصّ المقام من دلائل جلائل:
قوله عليه السلام: «ورست اصولها» أي رسخت اصول الجبال في أعماق الأرض حيث المياه الجوفية. ولعلّه إشارة إلى جذور الجبال متّصلةً بعضها ببعض، المعبّر عنها بسلاسل جبلية محيطة بالأرض.
قوله: «فأنهد جبالها عن سهولها» كأنّه إشارة إلى مبدأ حُدُوث الجبال على سطح الأرض، بعد أن كان مستويا، فتجعّد على أثر برودة القشرة، فكانت نتوءات وانخفاضات،
[١] - المصدر، الخطبة الاولى، ص ٣٩.
[٢] - المصدر، الخطبة رقم ٢١١، ص ٣٢٨.