التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٣ - الماء الاجاج
الحوامض وأضرّها على حياة الإنسان بالذات. فلو كان الغازان يمتزجان مع بعضهما امتزاجا كيماويا بسهولة ويُسر وبلاواسطة أعمال كيماوية، لانقلب الجوّ جهنّم سعيرا، لأنّه بذلك كان الغازان يستحيلان في الجوّ حامضا فتّاكا، ولأمطرت السماء ماء الفضّة بدلًا من الماء العذب الفرات، وما هو إلّا شواظ من نار ولهيب جهنّم لايبقي ولايذر، فسبحانه وتعالى من رؤوف رحيم.
«قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا».[١]
*** وإذ قد عرفت أنّ أربعة أخماس الهواء هو الآزوت (النتروجين) وهذا الغاز لايكاد يتّحد في العادة بشيء ولابالاوكسجين الذي يكاد يتّحد بكلّ شيء لكن الكيماويين وجدوا أنّهم يستطيعون بالكهربائية أن يحوّلوا الآزوت غير الفعّال إلى آزوت فعّال يتّحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية. كما وجدوا أنّهم يستطيعون أن يحملوا الآزوت على الاتّحاد بالاوكسجين بإمرار الشرر الكهربائي في مخلوط منهما. ومن هذا الاتّحاد ينشأ بعض أكاسيد للآزوت، قابل للذوبان في الماء، وإذا ذاب فيه اتّحد به وكوّن حمضين آزوتيين، أحدهما: حمض الآزوتيك (أو ماء النار) كما كان يسمّيه القدماء. وإليه يصير الحمض الثاني. وقليلٌ من حمض الآزوتيك في الماء كافٍ لإفساد طعمه.
وأظنّك الآن بدأت تدرك الطريق الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر ماءً اجاجا من غير خرق لنواميس الطبيعة ولاتبديل لسنّة اللّه التي جرت في الخلق، فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكوّن به المطر، وكلّ الذي يلزم أن يتعدّل التفريق الكهربائي أو يتكرّر في الهواء تكرارا يتكوّن به مقدار كافٍ من الأكاسيد الآزوتية يذوب في ماء السحاب ويحوّله حمضيا لايستسيغه الناس.
وهذا هو موضعٌ منّ اللّه على الناس، إنّه يكيّف التفريغ بالصورة التي ينزل بها المطر،
[١] - يونس ٥٨: ١٠.