التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤ - إشارات عابرة وإلماعات خاطفة عن أسرار الطبيعة وغياهب الوجود
طرف من كوامن أسباب الحياة. لكن إجمالًا وفي غموضٍ تامّ يعرفها العلماء الراسخون، إذ لم تصدر على سبيل القصد والبيان، وهي في نفس الوقت تنمّ عن خضمّ بحرٍلاينفد، وعن مخزون علمٍ لايتناهى. «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً»،[١] «وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً».[٢]
نعم، إنّها شذرات بدت من طيّ كلامه تعالى، ورشحات فاضت من عرض بيانه، كانت عظيمة وفخيمة، كلّما تقدّمت ركب الحضارة، وتألّق نجم العلم والمعرفة على آفاق الوجود، وإذا بالقرآن يسبق الإنسان بخطوات، و لايكاد يلحق أذياله في هذا المسير «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ».[٣]
*** وهذا نظير مايُوَر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام من كلمات جاءت في عرض كلامه، وهي تنمّ عن خضمّ بحر متلاطم أمواجه، بعيد أغواره، أو كما قال هو عليه السلام: ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير. فمن ذلك قوله في عجائب خلقة الإنسان: إعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم، ويتكلّم بلحم، و يسمع بعظم، ويتنفّس من خرم.[٤]
كان علم التشريح[٥] القديم يرى من طبلة الاذن[٦] العضو الأساسي لآلة السمع، وذلك بِتَذَبذُبٍ يحصل فيه على أثر الموج الصوتي الوارد عليه، وعلى أثره يحصل تموّج في الهواء الراكد المحفوظ في حفرة الصماخ خلف هذا الغشاء، وهذا التموّج يؤثّر في العصب الدماغي المفروش على سطح الصماخ الباطني، وبذلك ينتقل الصوت إلى مركزه في المخّ ويحصل السماع.[٧]
[١] - الكهف ١٠٩: ١٨.
[٢] - الطلاق ١٢: ٦٥.
[٣] - النحل ٨٩: ١٦.
[٤] - نهج البلاغه، قصار كلماته رقم ٨، ص ٤٧٠.
[٥] - علم وظائف الأعضاء، و قد شرحه ابنسينا في القانون في الطبّ، ج ١، ص ٢٤ فما بعد.
[٦] - هو الغشاء الفاصل بين التجويفين الداخلي والظاهري للُاذن.
[٧] - قال ابن سينا بصدد تشريح الاذن: الاذن عضو خُلِق للسمع وجعل له صدف معوجّ ليحبس جميع الصوت ويوجب طنينه، و ثقب يأخذ في العظم الحجري ملولب معوجّ ليكون تعويجه مطولًا لمسافة الهواء إلى داخل مع قصر تحته. و ثقب الاذن يوّي إلى جوبة حفرة فيها هواء راكد وسطحها مفروش بليف العصب الدماغي. فإذا تأدّى الموج الصوتي إلى ما هناك أدركه السمع. والصماخ كالثقبة العنبيّة المشتملة على الهواء الراكد الذي يُسمع الصوت بتموّجه. القانون في الطبّ، ج ٢، ص ١٤٨- ١٤٩ الفن الرابع في أحوال الاذن. وقال عند تشريح العصب الدماغي: تنبت من الدماغ أزواج من العصب سبعة ... وأمّا الزوج الخامس فكلّ فرد منه ينشقّ بنصفين على هيأة المضاعف، ومنبته من جانبي الدماغ، والقسم الأول من كلّ زوج منه يعمد إلى الغشاء المستبطن للصماخ فيتفرّق فيه كلّه. وهذا القسم منبته بالحقيقة من الجزء المؤخّر من الدماغ وبه حسّ السمع. القانون، ج ١، ص ٥٤- ٥٥.