التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٤ - الرتق والفتق في السماوات والأرض
السائدة على عالم الوجود سفلًا وعلوّا لاتختلف ولاتتخلّف. فتكرّر المواليد في المتناول المشهود يدلّنا على وقوع مثلها في الأجواء المتباعدة. وأنّ الجميع كانت يوما رتقا منضمّة بعضها إلى بعض، ولم يكن ميّز بين السماء والأرض، ففتقها اللّه بتدبير وإحكام، ليظهر ما بكلٍّ من فعلية وآثار.
وقد قرّبت الأبحاث العلمية الحديثة هذه النظرة، حيث أوضحت أنّ الأجرام الواقعة تحت الحسّ مؤلّفة من عناصر معدودة مشتركة، ولكلّ منها بقاء محدود وعمر مؤجّل وإن اختلفت بالطول والقصر.
هذا وأمّا إرادة الإمطار والإنبات من الرتق بعد الفتق، فهذا يخصّص البرهان على ذاته المقدّسة بهاتين الظاهرتين فحسب، بخلاف البرهان على التقريب الأول.[١]
*** وتقول النظرة الحديثة: إنّ الكون في أصله سَديم، جَمعُه سُدُم.[٢] والسديم يُشبه سحابة من غاز وغبار، وأصحّ تعبير عنه ما جاء في القرآن: الدُخان. وقد يقع في أوسط السديم نجوم تشعّ فيه فتنيره، وتعرف هذه بالسُدُم النيّرة. ومن السُدم «المعتم» ذلك أنّها تتألّف من غبار رقيق دقيق، صغرت حبّاته حتّى بلغت قدر موجات الضوء.
والسديم يغلب فيه الغاز فيكون نيّرا، ويغلب فيه الغبار فيكون مُعتما.
والسُدُم من نيّرة ومعتمة، ليس الذي بها من غاز وغبار إلّا ما تبقّى من خلق النجوم.
إنّ نظرية الخلق تقول: إنّ المجرّة كانت من غاز وغبار. ومن هذين تكوّنت النجوم بالتكثّف، وبقيت لها بقية. ومن هذه البقية كانت السُدُم المعتمة التي نرى مئات منها في المجرّة، نراها سوداء لأنّها حجبت ما وراءها من نجوم مضيئة.
[١] - الميزان، ج ١٤، ص ٣٠٣- ٣٠٤.
[٢] - والسديم: أصله الضُباب أو الرقيق منه، واستعير للمادّة الغازية الغبارية التي تكوّنت منها الأجرام السماوية. ويطلق عليها اسم« الأثير» وهو لفظ معرّب من أصل يوناني، يدلّ فيمصطلح العلم القديم على مادّة الأجرام السماوية، وقد كان المعتقد أنّها مادّة لطيفة للغاية لاتكوّن ولاتفسد. وسُمّي بالعنصر الخامس، تمييزا له من العناصر الأربعة الخاضعة للكون والفساد. راجع:« المصطلحات العلمية والفنية» ملحق لسان العرب، ج ١، ص ٣٤٦.