التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٢ - الرتق والفتق في السماوات والأرض
وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ».[١]
فالدخان- وهي المادّة الاولى لخلق السماوات- هو الأصل؛ ومنه تفرّعت السماوات العُلى وخرجت إلى الوجود. وقوله «ائْتِيا» كناية عن الأمر بالتكوين. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».[٢]
قوله: «فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» يدلّ على سبق مادّتهنّ على وجودهنّ، فأفاض عليهنّ الصوَر المائزة بينهنّ.
ويدلّ عليه أيضا قوله في سورة النازعات: «رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها».[٣] فقد سواهنّ برفع سمكهنّ، كنايةً عن تمدّد جوانبها لتأخذ شكلها الخاص.
*** ولعلّك تقول: هلّا كان قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» عقيب قوله «.. كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ..»[٤] قرينة راجحة لإرادة المعنى الأول من الآية؟
قلت: مظاهر أربعة من مظاهر الكون جاءت هنا من سورة الأنبياء (الآيات رقم ٣٠- ٣٣) مترادفة مع بعضها البعض، تلك آيات عظمته تعالى في الخلق وجليل قدرته في التدبير، كلّ ظاهرة آية برأسها مستقلّة في حقيقتها وفي تكوينها وفي دلالتها على عظمة الكون.
أولًا: رتق السماوات والأرض وفتقهما.
ثانيا: كون الماء منشأ الحياة كلّها.
ثالثا: جعل الرواسي في الأرض لتحول دون ميدانها.
رابعا: الغلاف الهوائي جُنّة واقية للأرض عن الخراب وزوال الحياة عن سطحها.
وكلّ واحدة منها آية تدلّ على أنّه واحد، وهم عن آياتها معرضون. وعليه فكما أنّ
[١] - فصّلت ١١: ٤١- ١٢.
[٢] - يس ٨٢: ٣٦.
[٣] - النازعات ٢٨: ٧٩.
[٤] - الأنبياء ٣٠: ٢١.