التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣١ - الرتق والفتق في السماوات والأرض
رتق وهو الضمّ والالتحام، أي كانتا شيئا واحدا وحقيقة متّحدة، ففتقناهما بالتنويع والتمييز.
قال الرازي: كانتا شيئا واحدا ملتزقتين، ففصل اللّه بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقرّ الأرض. وهو قول قتادة وسعيدبن جبير، ورواية عكرمة عن ابن عبّاس.
ولأبي مسلم الإصفهاني رأي أسدّ، قال: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار، كقوله تعالى «فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» ...[١] فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق.[٢]
وفي كثير من الآيات إشارة إلى هذا المعنى، منها ما جاء بلفظ «فَطَر»[٣] أو «فاطر»[٤] فإنّ الفطر وإن كان المراد به الخلق والإبداع لكنّه بعناية فصله إلى الوجود الخاص، بحدوده وأبعاده، بعد أن كان مندكّا في الوجود الكلّي الشامل، لاميز فيه ولاتحديد.
وهذا كما يفصّل الخيّاط البزّة الواحدة إلى قمصان وأثواب. وكما يفعل الفخّار بالطينة أشكالًا من الآنية والجرار. فالكلّ مندمج في الأصل الواحد، وإنّما يخرجها إلى الوجود فاعلُ الصوَر والأشكال.
*** وهذا المعنى هو الذي جاء في كلام الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام قال- في خلق العالم-:
ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشقّ الأرجاء، وسكائك الهواء- إلى أن قال في خلق الملائكة:- ثمّ فتق مابين السماوات العُلى، فملأهنّ أطوارا من ملائكته.[٥]
وقال- في عجيب صنعة الكون-: ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها.[٦]
وهذا هو الذي أشارت إليه الآية الكريمة في سورة فصّلت: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[١] - الأنعام ١٤: ٦؛ ويوسف ١٠٢: ١٢؛ وإبراهيم ١٠: ١٤؛ وفاطر ١: ٣٥؛ والزمر ٤٦: ٣٩؛ والشورى ١١: ٤٢.
[٢] - التفسير الكبير، ج ٢٢، ص ١٦٢- ١٦٣.
[٣] - الأنعام ٧٩: ٦؛ والأنبياء ٥٦: ٢١.
[٤] - في ستّ آيات: الأنعام ١٤: ٦، ويوسف ١٠١: ١٢، وإبراهيم ١٠: ١٤، وفاطر ١: ٣٥، والزمر ٤٦: ٣٩، والشورى ١١: ٤٢.
[٥] - اولى خطبة من نهج البلاغة، ص ٤٠- ٤١. والسكائك: جمع سكاكة- بالضمّ- وهي الهواء الملاقي لعنان السماء.
[٦] - الخطبة رقم ٢١١، ص ٣٢٨.