تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٩٧
(سيروا) أي: وقلنا لهم: سيروا ولا قول ثم، لكن لما سهلت لهم أسباب السير فكأنهم أمروا به، والمعنى: سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو: سيروا فيها (ءامنين) لا يخافون وإن تطاولت مدة سفركم فيها وامتدت أياما وليالي.
(فقالوا ربنا بعد) وبعد على الدعاء، بطروا النعمة وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب، وقرئ: " ربنا باعد بين أسفارنا " [١] وهو قراءة الباقر (عليه السلام)، " ربنا " مبتدأ والمعنى خلاف الأول، وهو أنهم استبعدوا مسائرهم على قصرها لفرط تنعمهم (فجعلنهم أحاديث) يتحدث الناس بهم، وفرقناهم تفريقا اتخذه الناس مثلا مضروبا، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ، قال كثير:
أيادي سبأ يا عز ما كنت بعدكم * فلم يحل بالعينين بعدك منظر [٢] (إن في ذلك لايت) وعبرا (لكل صبار) عن المعاصي (شكور) للنعم بالطاعات.
وقرئ: (صدق) بالتشديد والتخفيف [٣]، فمن شدد فعلى: حقق عليهم إبليس ظنه، أو: وجده صادقا، ومن خفف فعلى: صدق في ظنه. وقرئ: " صدق " بالتشديد " إبليس " بالنصب " ظنه " بالرفع [٤]، والمعنى: وجد ظنه صادقا حين
[١] وهي قراءة محمد بن الحنفية وأبي العالية وأبي صالح ونصر بن عاصم ويعقوب ويروى عن
ابن عباس، راجع تفسير القرطبي: ج ١٤ ص ٢٩٠.
[٢] وهو من أبيات يرثي بها عبد العزيز بن مروان، ومعناه واضح. انظر ديوان كثير عزة: ص ١٠٠.
[٣] وبالتخفيف قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. راجع كتاب السبعة في القراءات:
ص ٥٢٩.
[٤] وهي قراءة أبي الهجهاج، قال أبو حاتم الرازي: لا وجه لهذه القراءة عندي. وقد أجازها
الفراء والزجاج. ونسبها القرطبي إلى جعفر بن محمد (عليهما السلام) راجع إعراب القرآن للنحاس: ج ٣
ص ٣٤٣، وتفسير القرطبي: ج ١٤ ص ٢٩٢.