تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٨٠٩
وتدبيره، (ثم رددنه) ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر النعمة في الخلقة القويمة أن رددناه (أسفل) من سفل خلقا وتركيبا، يعني: أقبح من قبح صورة من خلقه، وهم أصحاب النار. أو: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الصورة حيث نكسناه في الخلق، يريد: حال الخرف والهرم وكلال السمع والبصر.
والاستثناء على المعنى الأول متصل، واتصاله ظاهر، وعلى الثاني منقطع بمعنى: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعاتهم وصبرهم على مقاساة المشاق والقيام بالعبادة في حال عجزهم وتخاذل قواهم، وعن ابن عباس: (إلا الذين ءامنوا) يعني: الذين قرأوا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وإن عمر طويلا [١].
(فما يكذبك) الخطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما يجعلك كاذبا بسبب (الدين) وإنكاره بعد هذا الدليل؟ يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء، فإن كل مكذب بالحق كاذب لا محالة، والباء مثلها في قوله: (الذين هم به مشركون) [٢]، وقيل: الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [٣]. (أليس الله بأحكم الحكمين) وعيد للكفار بأنه يحكم عليهم بما هم أهله.
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان إذا ختم هذه السورة قال: " بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين " [٤].
* * *
[١] حكاه عنه البغوي في تفسيره: ج ٤ ص ٥٠٥.
[٢] النحل: ١٠٠.
[٣] قاله قتادة. راجع تفسير الطبري: ج ١٢ ص ٦٤٢.
[٤] أخرجه الترمذي في السنن: ج ٥ ص ٤٤٣ ح ٣٣٤٧ عن أبي هريرة موقوفا.