تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٨١٣
وإما بأن نصب الدليل عليه في عقله، أو: بينه له على ألسنة ملائكته ورسله، فكل العلوم [١] مضاف إليه مستفاد منه جل اسمه.
(كلا) ردع وتنبيه [٢] لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. (أن رءاه) وأن رأى نفسه، يقال في أفعال القلوب: رأيتني، وعلمتني، وذلك من خصائصها، ولو كانت الرؤية بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين. و (استغنى) هو المفعول الثاني، أي: لأن رأى نفسه مستغنية عن ربه بأمواله وعشيرته وقوته. وعن قتادة: إذا أصاب مالا زاد في مراكبه وثيابه وطعامه وشرابه فلذلك طغيانه [٣].
(إن إلى ربك الرجعى) واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تحذيرا له من عاقبة الطغيان، و (الرجعى) مصدر كالبشرى، بمعنى الرجوع. وقيل: نزلت في أبي جهل [٤]، فروي أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن عنقه، فجاءه ثم نكص على عقبيه يتقي بيديه، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، وقال (عليه السلام): " والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " فنزلت: (أرءيت الذي ينهى عبدا إذا صلى) [٥].
والمعنى: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة شديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله (أو) كان (أمر بالتقوى)
[١] في نسخة: " المعلوم ".
[٢] في بعض النسخ زيادة: " على الخطأ ".
[٣] حكاه عنه عبد الرزاق في تفسيره: ج ٢ ص ٣١٣.
[٤] قاله الفراء. راجع معاني القرآن: ج ٣ ص ٢٧٨.
[٥] رواه مسلم في الصحيح: ج ٤ ص ٢١٥٤ ح ٢٧٩٧.