فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٣٣ - الوجه الرابع المعروف بدليل الانسداد
لزوم الخروج عن الدين إلى أنّ الشارع أراد من العباد التعرض للوقائع المشتبهة و لم يرخّص لهم إهمالها، فالعقل يحكم حكما ضروريا بأنّه لا بد للشارع من نصب طريق للعباد ليتمكّنوا من امتثال التكاليف الثابتة في الوقائع المشتبهة، و لا بد و أن يكون الطريق المجعول واصلا إلى العباد، إمّا بنفسه، و إمّا بطريقه، و الطريق الّذي يصح جعله في حال انسداد باب العلم و العلمي مع كونه واصلا بنفسه ينحصر بالاحتياط، فانّه الطريق الواصل بنفسه لكونه محرزا للواقع و موصلا إليه، فعلى هذا يكون الاحتياط في الوقائع المشتبهة طريقا مجعولا شرعيا، نظير الاحتياط في باب الدماء و الفروج. و ليس من الاحتياط العقلي، فانّ الاحتياط العقلي هو الّذي يحكم به العقل في أطراف العلم الإجماليّ، و محل الكلام إنّما هو فيما إذا كان المدرك لعدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة الإجماع أو الخروج عن الدين، لا العلم الإجماليّ، و ليس للعقل الحكم بالاحتياط في غير العلم الإجماليّ، و إلّا يلزم أن يكون احتمال التكليف في نظر العقل منجّزا للواقع ليحكم بالاحتياط في الوقائع المشتبهة مع قطع النّظر عن ثبوت العلم الإجماليّ فيها، و هو كما ترى! فانّ مجرد احتمال التكليف لا يكون منجّزا عند العقل مع انسداد باب العلم به على المكلّف.
و بالجملة: لا إشكال في أنّ الاحتياط يكون طريقا مجعولا شرعيا إذا كان المستند في المقدمة الثانية هو الإجماع أو الخروج عن الدين، فانّه لا طريق
______________________________
إيجاب الاحتياط المزبور في دائرة الظنون، و هو الّذي سلك به «أستاذنا العلامة» في كفايته، و ذلك أيضا غير قضية كشف طريقية الظن، بمعنى وسطيته باصطلاحه، فتدبر.
و بالجملة نقول: إن النوبة لا تصل إلى كشف جعل شرعي احتياطا أم طريقا جعليا، إلّا بعد منع حكم العقل لو لا الجعل، أو منع اتكال الشارع به. و الأوّل: خلاف الإنصاف، و الثاني: يجديه احتمال الاتكال. و لا يمنع هذا الاحتمال إلّا دعوى الإجماع الآتي: من أنّ الشارع أراد امتثال التكاليف في كل مورد بعنوان وجوبه شرعا و حرمته، فان ثمّ هذا الإجماع على عدم اتكال الشارع في رفع محذور الخروج عن الدين إلى حكم العقل، و لازمه حينئذ هو الكشف، و لكن دون إثباته خرط القتاد، كيف! و لا يناسب مثل هذا الإجماع مع اشتهار الحكومة العقلية عند أرباب الانسداد، فتدبر تعرف.