فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٣٦٢ - الثاني
و من قال: إنّه لا يعتبر في الوضوء قصد الكون على الطهارة [١] حمل الأمر بالتطهير في آية الغسل على أنّ المراد منه نفس الأفعال لا المعنى الحاصل منها و يكون التطهير من قبيل الحكم و المصالح، و يؤيّد ذلك ما ورد في بعض الأخبار: من «أنّ اللّه تعالى إنّما أمر بالوضوء ليكون العبد متطهرا بين يدي اللّه تعالى» [٢] فانّ الظاهر منه هو أن تكون الطهارة من الخواصّ و الآثار المترتبة على أفعال الوضوء، لا أنّها من المسبّبات التوليدية، و ذكرنا- في مبحث الاشتغال- الفرق بين المسبّبات التوليدية و المقدمات الإعدادية، و أنّ باب المصالح و المفاسد ليست من المسبّبات التوليدية، بل إنّما هي من الخواصّ و الآثار المترتبة على متعلقات التكاليف، فراجع ذلك المبحث، فانّه قد استوفينا الكلام فيه بما لا مزيد عليه، و غرضنا في المقام مجرد الإشارة، فلا فائدة في تكرار الكلام في ذلك، مع أنّه أمامنا مباحث مهمة ينبغي صرف عنان الكلام فيها، و لعلّ اللّه يوفّقنا للتعرض إلى جملة مما يتعلق بلباس المشكوك من المباحث النفيسة التي أفادها شيخنا الأستاذ (مد ظله) ما لم تخطر ببال من سبقه من الأعلام.
و قد تحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ دلالة قوله صلّى اللّه عليه و آله «رفع ما لا يعلمون» على ما هو محل البحث بين الأصوليّين و الأخباريّين- و هو جواز الاقتحام في الشبهات التحريمية- في غاية الوضوح.
______________________________
[١] أقول: لو قلنا في باب الوضوء: إنّه من المطلوبات النفسيّة علاوة عن مطلوبيتها غيريا- كما قيل به في الغسل- فما أفيد من ابتناء النزاع في لزوم قصد الغاية و عدمه في غاية المتانة، و حينئذ يكون الوضوء بنفسه عبادة وقعت مقدمة لعبادة أخرى. و أما لو قلنا بأنّه ممحض في المطلوبية الغيرية و أنّ عباديته من جهة دعوة أمره الغيري إليه بلا أمر آخر نفسي فيه، فربما يكون منشأ النزاع السابق شيء آخر، و هو أنّ دعوة الأمر الغيري هل يمكن بلا قصد التوصل به إلى الغير؟ أو لا يمكن إلّا مع القصد المزبور؟ فعلى الأوّل: لا يجب قصد الغاية، بخلافه على الثاني، فانّه لا يمكن الامتثال به إلّا مع قصد الغاية، حتى بناء على كون الوضوء مقدمة لا الكون على الطهارة، فراجع المسألة في محله و تدبر.
[٢] الوسائل: الباب ١ من أبواب الوضوء الحديث ٩ و لفظ الحديث «إنما امر بالوضوء و بدئ به لأن يكون العبد طاهرا إذا قام بين يدي الجبّار» الحديث