فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٤٣ - المبحث الرابع في استحقاق المتجري للعقاب
أمّا الكلام من الحيثية الأولى: فالحق فيه أن الخطابات الأوّلية لا تعم القبح الفاعلي، فانّ الحسن و القبح الفاعلي إنّما يكون مترتبا على الخطابات الأوّلية [١] و من الانقسامات اللاحقة له، إذ بعد تعلق الخطابات بموضوعاتها تتحقق رتبة الحسن الفاعلي و قبحه، فانّ ذلك يقع في رتبة امتثال تلك الخطابات و عصيانها، فلا يمكن أن تكون تلك الخطابات مطلقة تعم الحسن الفاعلي و قبحه بالإطلاق و التقييد اللحاظي.
نعم: يمكن ذلك بنتيجة الإطلاق و التقييد [٢] إلّا أنّ دعوى إطلاق تلك الخطابات و لو بنتيجة الإطلاق للفعل الصادر عن الفاعل قبيحا تكون بلا برهان، بعد ما كانت الخطابات مترتبة على موضوعاتها الواقعية، و الموضوع في مثل قوله «لا تشرب الخمر» هو الخمر الواقعي.
نعم: قد يتفق تقييد الخطاب بصورة صدور الفعل عن الفاعل حسنا و عدم صدوره قبيحا، كما في مثل الصلاة في الدار المغصوبة، حيث قلنا ببطلان الصلاة فيها عند الالتفات إلى موضوع الغصب و حكمه، مع أنّا نقول: بجواز اجتماع الأمر و النهي [٣] و ليس ذلك إلّا من جهة أنّ صدور الصلاة المشتملة على المصلحة من مثل هذا الشخص يكون قبيحا، فلا تصلح لأن يتقرب بها، فقد قيّدت الصلاة بصورة عدم صدورها عن الفاعل قبيحا بنتيجة التقييد، كما
______________________________
[١] أقول: ما يترتب على الخطاب هو حكم العقل باستحقاق الثواب و العقاب، لا جهة سوء سريرة الفاعل، إذ وجودها في ذات الفاعل غير محتاج إلى الخطاب أصلا، و إن تحقق تكشف عنه في بعض الأحيان. و حينئذ احتمال الكشف في الكلام السابق ملغى. بقي في البين الاحتمالان الأوّلان، و لقد تقدم ما فيهما
[٢] أقول: و لقد تقدم الكلام فيه مستقصى، فراجع. نعم: في صيرورته تحت الخطاب- كما أفيد- يحتاج إلى متمم الجعل.
[٣] أقول: قد حققنا في محله أنّه بناء على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد بعنوانين لا معنى لسراية القبح فعليا و فاعليا إلى العنوان الراجح، فلا معنى لتقييد موضوع الأمر بعدم اقترانه بالحرام، كما هو الشأن في المتزاحمين، و إن كان بينهما فرق من جهة أخرى، فتدبر.