فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٠ - المبحث الثالث
الواقع في رتبة الجهل به، فيكون المجعول في باب الطرق و الأمارات و الأصول في طول الواقع لا في عرضه. و ليس للشارع حكمان: حكم واقعي و حكم ظاهري، بأن يكون تكليفان مجعولان شرعيان: أحدهما تكليف واقعي، و الآخر تكليف ظاهري، فانّ التكليف الظاهري بهذا المعنى ممّا لا نعقله.
و المراد من كون مؤديات الطرق و الأصول أحكاما ظاهرية هو كونها مثبتة للواقع عند الجهل و الحكم بأنّ مؤدياتها هو الواقع لمكان كونها محرزة له، و ليس هناك حكم آخر وراء الواقع يسمّى بالحكم الظاهري، كما ربّما يتخيل.
فظهر: أنّ ما بين الحكومة الواقعية و الحكومة الظاهرية بون بعيد، و أنّ حكومة الأمارات إنّما تكون حكومة ظاهرية واقعة في طول الواقع و في طريق إحرازه، و يكون المجعول فيها نفس المحرزية، و التنجيز و العذر من اللوازم العقلية المترتبة على ما هو المجعول، لوضوح أنّ التنجز لا يكون إلّا بالوصول إلى الواقع و إحرازه، إمّا بنفسه (كما في العلم و الطرق و الأمارات و الأصول المتكفلة للتنزيل) و إمّا بطريقه (كما في موارد جريان أصالة الاحتياط) على ما سيأتي توضيحه في محله.
و على كل حال: نفس التنجيز و العذر غير قابل للجعل، كما ربّما يوهمه بعض الكلمات، و إنّما الّذي يكون قابلا للجعل هو المحرزية و الوسطية في الإثبات ليكون الواقع واصلا إلى المكلف، و يلزمه عقلا تنجيز الواقع.
الأمر الثالث: قد ظهر مما ذكرنا: أنه ليس لنا واقع حقيقي و واقع جعلي، و علم بالواقع الحقيقي و علم بالواقع الجعلي، بأن يكون للواقع فردان: فرد حقيقي و فرد جعلي، و للعلم فردان: علم بالواقع الحقيقي و علم بالواقع الجعلي، فانّ ذلك كله مبنىّ على جعل المؤدى، فيصح أن يقال- بنحو من المسامحة- إنّ للخمر مثلا فردان: خمر واقعي و خمر جعلي تعبدي، و كذا للعلم فردان: علم بالخمر و علم بالخمر التعبدي. و أمّا بناء على عدم جعل المؤدى فليس للخمر إلّا فرد واحد، و هو الخمر الواقعي، و الإحراز إنما يتعلق به. نعم: هناك علم