فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ١٧٢ - الفصل الرابع في حجية الخبر الواحد
العقلاء- بخلاف خبر الفاسق، فانّ الاعتماد عليه يعدّ من السفاهة و الجهالة، فخبر العادل لا يشارك خبر الفاسق في العلة، بل هو خارج عنها موضوعا.
فان قلت: لو لم يصح الاعتماد على خبر الفاسق، فكيف اعتمدت الصحابة على خبر «الوليد الفاسق» و أرادوا تجهيز الجيش على قتال «بنى المصطلق» عند إخبار «الوليد» بارتدادهم و امتناعهم عن أداء الصدقة؟
قلت: ربما يركن الشخص إلى ما لا ينبغي الركون إليه غفلة أو لاعتقاده عدالة المخبر [١] فنزلت الآية الشريفة للتنبيه على غفلتهم أو لسلب اعتقادهم عن عدالة «الوليد». و بالجملة: لا إشكال: في أنّ الاعتماد على خبر الفاسق يكون من الجهالة، دون الاعتماد على خبر العادل.
و ثانيا: انّه على فرض أن يكون معنى الجهالة عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع لا يعارض عموم التعليل للمفهوم، بل المفهوم يكون حاكما على العموم، لأنّه يقتضى إلغاء احتمال مخالفة خبر العادل للواقع و جعله محرزا له و كاشفا عنه فلا يشمله عموم التعليل، لا لأجل تخصيصه بالمفهوم لكي يقال: إنّه يأبى عن التخصيص، بل لحكومة المفهوم عليه، فليس خبر العدل من أفراد العموم، لأنّ أقصى ما يقتضيه العموم هو عدم جواز العمل بما وراء العلم، و المفهوم يقتضى أن يكون خبر العدل علما في عالم التشريع، فلا يعقل أن يقع التعارض بين المفهوم و عموم التعليل، لأنّ المحكوم لا يعارض
______________________________
أمارة مخالفة للواقع، فضلا عن مجرد عدم العلم به إذا كان المقصود به حفظ الواقع، خصوصا في الأمور المهمة، كما هو مورد الآية الشريفة، و حينئذ فلا غرو في دعوى كون الجهالة مطلق عدم العلم.
و من هذا البيان ظهر أيضا: أنّ العلة جارية حتى في صورة العمل بما هو حجة لديهم من خبر الثقة و العدل، لأنّ العمل بمثله في مثل حفظ النفوس و الأعراض يوجب الندامة و إن لم يوجب الملازمة، فإذا شمل العلة بهذه القرينة ما هو حجة لديهم أيضا، كان لازمه بمقتضى عموم العلة ردعهم عن مثل هذا العمل مطلقا، و مع هذا التعميم لا يبقى مجال حكومة المفهوم على عموم العلة، بل عموم العلة موجب لمنع المفهوم، كما لا يخفى، فتدبر.
[١] أقول: بل ربما يكون شدة الاهتمام بشيء لحفظ النّفس و العرض يوجب الإقدام بمجرد الاحتمال الضعيف الغير البالغ إلى مرتبة الحجية لدى العقلاء بلا غفلة، كما هو ظاهر.