فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٥٢ - الوجه الرابع المعروف بدليل الانسداد
الاضطرار، سواء كان الاضطرار من جهة لزوم الضرر أو العسر و الحرج أو غير ذلك من الأسباب، و سواء كان الاضطرار إلى البعض المعيّن أو غير المعيّن [١] غايته أنّه إذا كان إلى المعيّن يتعين دفع الاضطرار به بخصوصه، و إن كان إلى غير المعيّن يكون المكلف بالخيار في دفع الاضطرار بكل واحد من الأطراف، و ليس له التعدي عن غير ما يدفع به الضرورة، فانّ مقتضى العلم الإجماليّ عقلا هو لزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال بأي وجه اتفق، لأنّ المفروض أنّ العلم الإجماليّ كالتفصيلي يقتضى التنجيز، فبمجرد العلم الإجماليّ يتنجّز التكليف، غايته لو صادف دفع الاضطرار بمتعلق التكليف كان ذلك موجبا
______________________________
[١] أقول: إذا كان الاضطرار مقارنا للعلم و كان متعلقا بطرف معيّن، كيف يمكن دعوى منجزية العلم الإجماليّ بالنسبة إلى الطرف الآخر، إذ بالاضطرار المزبور بعد فرض سرايته إلى الواقع على فرض وجوده في المضطر إليه يرتفع العلم الإجماليّ بالتكليف، و مع ارتفاعه لا يبقى مجال وجوب الاحتياط عن الطرف الآخر، لكون الشبهة بدويا، كما هو الشأن في خروجه من محل الابتلاء.
نعم: ما أفيد صحيح بالنسبة إلى الاضطرار بغير المعيّن، فانّ هذا الاضطرار مانع عن الجمع بين المحتملين، و لازمه كون سرايته إلى الواقع رافعا لإطلاق التكليف في كل طرف، بنحو يقتضى وجوب إتيانه و لو في حال وجود الآخر. و بهذا الإطلاق يحكم العقل أيضا بالجمع بين المحتملين، فإذا ارتفع إطلاق التكليف لا أصل التكليف فالعلم الإجماليّ بأصل التكليف في كل واحد من الطرفين باق، غايته في كل واحد مشروط بعدم إتيان غيره، و لازمه إلزام العقل بعدم تركهما، و لازمه في هذا الظرف التخيير في إتيان أحد الطرفين، إذ بهذا المقدار يقطع بالخروج عن عهدة المعلوم بالإجمال. و بمثل هذا البيان أيضا حققنا المسألة في باب الاشتغال، فراجع.
ثم أقول: إنّ ما أفيد من تعيّن الظن بمقتضى ما ذكرنا إنّما يتم على فرض الالتزام بالعلم بتكليف مطلق في المظنونات مثلا و مقيد في غيره بنحو الترتب، كي يبقى العلم الإجماليّ بحاله، و إلّا فمع تعين الترخيص في خصوص الأبعد مطلقا يرتفع العلم أيضا رأسا، و لا يبقى مجال الأخذ بالمظنون، و لكن هذا الالتزام بالترتب أيضا ينتج لزوم العمل بالأبعد في ظرف مخالفة الأقرب، و هو أيضا خلاف مسلك أهل الانسداد، و بنائهم على الرخصة في ترك الأبعد مطلقا، و حينئذ مثل هذا الممشى لا يتم حتى بناء على اقتضاء العلم الإجماليّ في المنجزية، فضلا عن العلية، لأن الترخيص المطلق ملازم لمنع التكليف في مورده على الإطلاق، و معه لا يبقى علم إجمالي بالتكليف أصلا، و عليه فلا يكاد انتهاء النوبة على مسلك منجزية العلم الإجماليّ و أدلة الحرج إلى مرام القائل بالتبعيض و مرجعية الظن في حال الانسداد و الترخيص في غيره مطلقا، فتدبر فيما ذكرنا، و لا يغرك طول البيان و تفصيله الغير المنتهى إلى مفهوم محصّل!.