فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٢٥١ - الوجه الرابع المعروف بدليل الانسداد
و نصبه طريقا [١] فاسد، فانّ أدلة نفيهما إنّما تكون حاكمة على أدلة الأحكام المجعولة في الشريعة، و ليس من شأنها نفى جعل حكم في الشريعة أو إثباته ابتداء باعتبار وجود مناط الجعل و عدمه، فانّ بناء أدلة نفى العسر و الحرج ليس مجرد الإخبار عن أنّ الشارع لم يشرّع حكما يلزم منه العسر و الحرج.
و بالجملة: لا إشكال في أنّ أدلة نفى العسر و الحرج لا تنفي الأحكام التي يختص تشريعها بحال يلزم منه العسر و الحرج، فلو كان مدرك عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة هو الإجماع أو الخروج عن الدين الموجبات لنصب الشارع الاحتياط طريقا في حال انسداد باب العلم و العلمي كان اللازم وجوب الاحتياط و إن استلزم العسر و الحرج، و لا تصل النوبة إلى حجية الظن أو التبعيض في الاحتياط.
و هذا بخلاف ما إذا كان المدرك لعدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة العلم الإجماليّ، فانّه لا محيص عن التبعيض في الاحتياط بمقدار لا يلزم منه العسر و الحرج. و لا موجب لسقوط الاحتياط رأسا في جميع الوقائع المشتبهة- كما قيل- فانّ الضرورات تتقدر بقدرها، فلو اضطر المكلف إلى الاقتحام في بعض أطراف العلم الإجماليّ كان الاضطرار موجبا عقلا للترخيص فيما يدفع به
______________________________
[١] أقول: يكفى في دفع هذا التوهّم ما أفيد من منع نظر دليل نفى العسر إلى تكليف يكون من لوازمه العسر، بلا احتياج إلى هذه المقدمة، إذ على فرض شمول دليل نفى الحرج لنفي جعل حكم في الشريعة يختص أيضا بنفي جعل حكم له حالتان، و يرفع حالة العسرية على فرض وجوده و لا يرفع حكما مختصا على فرض الوجود حال الحرج. نعم: الّذي يرد على أصل التقريب هو أنّ دليل نفى الحرج لو كان ناظرا إلى صرف إيجاب الاحتياط التام من الشارع، فالأمر كما أفيد. و أمّا لو كان ناظرا إلى الحكم الواقعي المشكوك على فرض الوجود، فلا شبهة في أنّ له حالتان: فدليل العسر يرفع فعلية الواقع بالنسبة إلى مثل هذه الحالة المشتبهة الموجبة لعسرية امتثاله دون غيرها، و بمثل هذا الرفع التقديري يستكشف عدم إيجاب الاحتياط، لأنّه من تبعات وجود التكليف الواقعي على فعليته حتى في هذا الحال، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ رفع التكليف الواقعي في هذا الحال ليس المراد أيضا رفعه مطلقا، بل الغرض رفعه بمقدار يقتضى العسر في هذا الحال لا مطلقا، و نتيجة ذلك أيضا ليس إلّا التبعيض في الاحتياط، كما لا يخفى، فتدبر.