الطفيات - المصلاوي، علي كاظم - الصفحة ٥٥ - البنية الموضوعيّة للطفّيّات
ولم ينس الشريف الرضي الدعاء بالسقيا لأرض الطفوف التي حوت جسد الحسين عليه السلام ونفر من أهل بيته وأصحابه، وهذا الدعاء من تقاليد البادية والشعر الجاهلي[١٠٦]، ظلَّ ملازماً للشريف الرضي في كثير من أشعاره الرثائية[١٠٧] فتراه يخاطب الحسين عليه السلام بـ(ياغريب الديار) كناية عن غربة الحسين المكانية، ويصف أحاسيسه الجياشة وتمنياته لو أنه فدى الحسين بروحه، وأضطجع بقبره، ووري بالتراب الذي وري به:[١٠٨]
يا غريبَ الدِّيارِ صبْري غَرِيْبٌ *** *** وقَتِيلَ الأعْداءِ نَوْمي قَتِيلُ
بيْ نِزاعٌ يطغى إليْكَ وَشَوْقٌ *** *** وَغَرامٌ وزَفرَةٌ وَعَوِيلُ
ليتَ أني ضجيعُ قـــبرك لوْ أنْ *** *** نَ ثراه بمــدمعي مطْلُـــولُ
ثمَّ يدعو بالسقيا بصورة روحية شفافة إذ يقول:
لا أغبَّ الطفوف في كلِّ يَوْمٍ *** *** من طراقِ الأنواء غيثٌ هَطُولُ
مطرٌ ناعمٌ، وريحُ شمالٍ *** *** ونسيمٌ غضٌّ، وظِلٌّ ظليلُ ججج
وإذا كان هذا الدعاء يمثل "دعاء الخير والبركة والغيث لقبر المرثي" [١٠٩] كما يمثِّلُ الخير والبركة الشاملة للأرض التي يحل بها الفقيد وتشير إلى كرمهِ أيضاً [١١٠] فإن الشريف يشير بشكل غير مباشر إلى أن هذه الأرض ومن حلَّ بها أساس الانطلاقة الصحيحة للحياة الإنسانية النبيلة، والحياة الحقَّة الخالية من الظلم والجور، كما تمثل الثورة ضد الطغاة والمستبدين والظالمين، وهنا تصبح أرض الطف القبس الذي ينير درب الأحرار للعيش بحرية وسلام.
[١٠٦] لغة الشعر بين جيلين: ٢٦.
[١٠٧] ينظر على سبيل المثال لا الحصر ديوان الشريف الرضي: ١/٢٩، ٣٠، ١١٣، ١٤٥، ١٥١.
[١٠٨] م.ن: ٢/١٨٩.
[١٠٩] الرثاء في الشعر الجاهلي وصدر الإسلامِ: ١٩٦.
[١١٠] م. ن.