إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧ - الوظيفة الخامسة أن لا يفسد صدقته بالمنّ و الأذى
فاعلم أن له علامة دقيقة واضحة،و هو أن يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية أو مالأ عدوا له عليه مثلا،هل كان يزيد استنكاره و استبعاده له على استنكاره قبل التصدق؟فان زاد لم تخل صدقته عن شائبة المنة،لأنه توقع بسببه ما لم يكن يتوقعه قبل ذلك فان قلت:فهذا أمر غامض و لا ينفك قلب أحد عنه،فما دواؤه ؟ فاعلم أن له دواء باطنا و دواء ظاهرا،أما الباطن فالمعرفة بالحقائق التي ذكرناها في فهم الوجوب،و أن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره بالقبول.و أما الظاهر فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة،فإن الأفعال التي تصدر عن الأخلاق تصبغ القلب بالأخلاق كما سيأتي أسراره في الشطر الأخير من الكتاب،و لهذا كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير و يتمثل قائما بين يديه يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين،و هو يستشعر مع ذلك كراهية لو ردّه و كان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه و تكون يد الفقير هي العليا و كانت عائشة و أم سلمة رضى اللّٰه عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول:احفظ ما يدعو به،ثم كانتا تردان عليه مثل قوله و تقولان:هذا بذلك حتى تخلص لنا صدقتنا.
فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة،و كانوا يقابلون الدعاء بمثله .و هكذا فعل عمر بن الخطاب و ابنه عبد اللّٰه رضى اللّٰه عنهما،و هكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم و لا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل و التواضع و قبول المنة،و من حيث الباطن المعارف التي ذكرناها،هذا من حيث العمل و ذلك من حيث العلم،و لا يعالج القلب إلا بمعجون العلم و العمل.و هذه الشريطة من الزكوات تجرى مجرى الخشوع من الصلاة و ثبت ذلك بقوله صلّى اللّٰه عليه و سلّم:[١]«ليس للمرء من صلاته إلاّ ما عقل منها » و هذا كقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم«لا يتقبّل اللّٰه صدقة منّان»و كقوله عز و جل: (لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ) [١]و أما فتوى الفقيه بوقوعها موقعها و براءة ذمته عنها دون هذا الشرط فحديث آخر،و قد أشرنا إلى معناه في كتاب الصلاة
[١] البقرة:٢٦٤