إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦ - الوظيفة الخامسة أن لا يفسد صدقته بالمنّ و الأذى
نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المنّ،و هو التحدث به،و إظهاره، و طلب المكافأة منه،بالشكر و الدعاء،و الخدمة و التوقير،و التعظيم و القيام بالحقوق،و التقديم في المجالس،و المتابعة في الأمور.فهذه كلها ثمرات المنة:و معنى المنة في الباطن ما ذكرناه و أما الأذى فظاهره التوبيخ و التعيير و تخشين الكلام و تقطيب الوجه و هتك الستر بالإظهار و فنون الاستخفاف،و باطنه و هو منبعه أمران(أحدهما)كراهيته لرفع اليد عن المال و شدة ذلك على نفسه،فان ذلك يضيق الخلق لا محالة و(الثاني)رؤيته أنه خير من الفقير،و أن الفقير لسبب حاجته أخس منه،و كلاهما منشؤه الجهل.أما كراهية تسليم المال فهو حمق،لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوى ألفا فهو شديد الحمق،و معلوم أنه يبذل المال بطلب رضا اللّٰه عز و جل و الثواب في الدار الآخرة،و ذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكرا لطلب المزيد ،و كيفما فرض فالكراهة لا وجه لها.و أما الثاني فهو أيضا جهل،لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى و عرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير،بل تبرك به و تمنى درجته،فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام،و لذلك قال صلّى اللّٰه عليه و سلّم«هم الأخسرون و ربّ الكعبة.فقال أبو ذرّ :من هم؟قال:هم الأكثرون أموالا»الحديث.ثم كيف يستحقر الفقير و قد جعله اللّٰه تعالى متجرة له،إذ يكتسب المال بجهده،و يستكثر منه،و يجتهد في حفظه بمقدار الحاجة.و قد ألزم أن يسلم إلى الفقير قدر حاجته،و يكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلم إليه فالغنى مستخدم للسعي في رزق الفقير،و يتميز عليه بتقليد المظالم و التزام المشاق و حراسة الفضلات،إلى أن يموت فيأكله أعداؤه،فاذن مهما انتقلت الكراهية و تبدلت بالسرور و الفرح بتوفيق اللّٰه تعالى له في أداء الواجب و تقبيضه الفقير حتى يخلصه عن عهدته بقبوله منه،انتفى الأذى و التوبيخ و تقطيب الوجه،و تبدل بالاستبشار و الثناء و قبول المنة.فهذا منشأ المن و الأذى فإن قلت:فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض،فهل من علامة يمتحن بها قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسنا؟