إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤ - الثاني تهييج الشوق بالمفارقة
و كوشف بعض الأولياء رضى اللّه عنهم،قال:إنى رأيت الثغور كلها تسجد لعبادان،و رأيت عبادان ساجدة لجدة.و يقال لا تغرب الشمس من يوم إلا و يطوف بهذا البيت رجل من الأبدال ،و لا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد ،و إذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس و قد رفعت الكعبة لا يرى الناس لها أثرا و هذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد،ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف،ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه كلمة،ثم يرجع الناس إلى الأشعار و الأغانى و أخبار الجاهلية،ثم يخرج الدجان و ينزل عيسى عليه السلام فيقتله، و الساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب التي تتوقع ولادتها.و في الخبر[١]«استكثروا من الطّواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرّتين و يرفع في الثّالثة »و روى عن على رضى اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال قال اللّه تعالى:[٢]«إذا أردت أن أخرّب الدّنيا بدأت ببيتي فخرّبته ثمّ أخرّب الدّنيا على أثره »
فضيلة المقام بمكة حرمها اللّه تعالى و كراهيته
كره الخائفون المحتاطون من العلماء المقام بمكة لمعان ثلاثة:
الأوّل:خوف التبرم و الانس بالبيت
،فإن ذلك ربما يؤثر في تسكين حرقة القلب في الاحترام،و هكذا كان عمر رضى اللّه عنه يضرب الحجاج إذا حجوا و يقول:يا أهل اليمين يمنكم،و يا أهل الشام شامكم،و يا أهل العراق عراقكم و لذلك هم عمر رضى اللّه عنه بمنع الناس من كثرة الطواف و قال خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت
الثاني:تهييج الشوق بالمفارقة
لتنبعث داعية العود،فإن اللّه تعالى جعل البيت مثابة للناس و أمنا أي يثوبون و يعودون إليه مرة بعد أخرى و لا يقضون منه و طرا.و قال بعضهم:
تكون في بلد و قلبك مشتاق إلى مكة متعلق بهذا البيت خير لك من أن تكون فيه و أنت متبرم بالمقام و قلبك في بلد آخر.و قال بعض السلف:كم من رجل بخراسان و هو أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به.و يقال إن للّٰه تعالى عبادا تطوف بهم الكعبة تقربا إلى اللّه عز و جل