إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥ - الوظيفة الخامسة أن لا يفسد صدقته بالمنّ و الأذى
فقد يكون الاعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل،و من عرف الفوائد و الغوائل و لم ينظر بعين الشهوة،اتضح له الأولى و الأليق بكل حال
الوظيفة الخامسة:أن لا يفسد صدقته بالمنّ و الأذى
،قال اللّٰه تعالى (لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ ) [١]و اختلفوا في حقيقة المنّ و الأذى ،فقيل المنّ أن يذكرها،و الأذى أن يظهرها.قال سفيان:من منّ فسدت صدقته،فقيل له كيف المنّ؟فقال:أن يذكره و يتحدث به.و قيل المنّ أن يستخدمه بالعطاء،و الأذى أن يعيره بالفقر.و قيل المنّ أن يتكبر عليه لأجل عطائه،و الأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة،و قد قال صلّى اللّٰه عليه و سلّم[١] «لا يقبل اللّٰه صدقة منّان » و عندي أن المن ّ له أصل و مغرس،و هو من أحوال القلب و صفاته،ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان و الجوارح،فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه و منعما عليه،و حقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق اللّٰه عز و جل منه الذي هو طهرته و نجاته من النار، و أنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به،فحقه أن يتقلد منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن اللّٰه عز و جل في قبض حق اللّٰه عز و جل،قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم:[٢]«إن الصّدقة تقع بيد اللّٰه عزّ و جلّ قبل أن تقع في يد السّائل ».فليتحقق أنه مسلم إلى اللّٰه عز و جل حقه،و الفقير آخذ من اللّٰه تعالى رزقه بعد صيرورته إلى اللّٰه عز و جل ،و لو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفها و جهلا،فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه،أما برزقه،أما هو فإنما يقضى الذي لزمه بشراء ما أحبه فهو ساع في حق نفسه فلم يمنّ به على غيره،و مهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه،إما ببذل ماله إظهارا لحب اللّٰه تعالى،أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل:أو شكرا على نعمة المال طلبا للمريد،و كيفما كان فلا معاملة بينه و بين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه،و مهما حصل هذا الجهل بأن رأى
[١] البقرة:٢٦٤