إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٥ - و أما صوم الدهر
و دونه درجة أخرى و هو صوم نصف الدهر:بأن يصوم يوما و يفطر يوما،و ذلك أشد على النفس و أقوى في قهرها.و قد ورد في فضله أخبار كثيرة،لأن العبد فيه بين صوم يوم و شكر يوم،فقد قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]«عرضت علىّ مفاتيح خزائن الدّنيا و كنوز الأرض فرددتها و قلت أجوع يوما و أشبع يوما أحمدك إذا شبعت و أتضرّع إليك إذا جعت»و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]«أفضل الصّيام صوم أخي داود:كان يصوم يوما و يفطر يوما »و من ذلك[٣]منازلته صلّى اللّٰه عليه و سلم لعبد اللّٰه بن عمرو رضى اللّٰه عنهما في الصوم و هو يقول إنى أطيق أكثر من ذلك فقال صلّى اللّٰه عليه و سلم«صم يوما و أفطر يوما،فقال إنى أريد أفضل من ذلك،فقال صلّى اللّٰه عليه و سلّم لا أفضل من ذلك » و قد روى«أنّه صلّى اللّٰه عليه و سلّم[٤]ما صام شهرا كاملا قطّ إلاّ رمضان » و من لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه،و هو أن يصوم يوما و يفطر يومين و إذا صام ثلاثة من أول الشهر و ثلاثة من الوسط و ثلاثة من الأخر فهو ثلث،و واقع في الأوقات الفاضلة ،و إن صام الاثنين و الخميس و الجمعة فهو قريب من الثلث.و إذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم،و أن مقصوده تصفية القلب و تفريغ الهم للّٰه عز و جل.و الفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله،فقد يقتضي حاله دوام الصوم،و قد يقتضي دوام الفطر،و قد يقضى مزج الإفطار بالصوم .و إذا فهم المعنى و تحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه،و ذلك لا يوجب ترتيبا مستمرا،و لذلك روى«أنّه صلّى اللّٰه عليه و سلّم[٥]كان يصوم حتّى يقال لا يفطر و يفطر حتّى يقال لا يصوم و ينام حتّى يقال لا يقوم و يقوم حتّى يقال لا ينام »و كان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من القيام بحقوق الأوقات