إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤ - الوظيفة الرابعة أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا
و مهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين و المسكين لا يعرف أولى،إذ في معرفة المسكين الرياء و المنة جميعا،و ليس في معرفة المتوسط إلا الرياء،و مهما كانت الشهرة مقصودة له حبط عمله لأن الزكاة إزالة للبخل و تضعيف لحب المال،و حب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال،و كل واحد منهما مهلك في الآخرة و لكن صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربا لادغا،و صفة الرياء تنقلب في القبر أفعى من الأفاعي،و هو مأمور بتضعيفهما أو قتلهما لدفع أذاهما أو تخفيف أذاهما،فمهما قصد الرياء و السمعة فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويا للحية،فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية،و لو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه، و قوّة هذه الصفات التي بها قوّتها العمل بمقتضاها،و ضعف هذه الصفات بمجاهدتها و مخالفتها،و العمل بخلاف مقتضاها،فأي فائدة في أن يخالف دواعي البخل و يجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى و يقوى الأقوى.و ستأتي أسرار هذه المعاني في ربع المهلكات
الوظيفة الرابعة:أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا
للناس في الاقتداء،و يحرس سره من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء،فقد قال اللّٰه عز و جل: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ) [١]و ذلك حيث يقتضي الحال الابداء،إما للاقتداء،و إما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس،فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار،بل ينبغي أن يتصدق و يحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان ،و هذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المنّ و الرياء و هو هتك ستر الفقير،فإنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج،فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره،و هو كإظهار الفسق على من تستر به فإنه محظور،و التجسس فيه و الاعتياد بذكره منهي عنه،فأما من أظهره فاقامة الحد عليه إشاعة،و لكن هو السبب فيها،و بمثل هذا المعنى قال صلّى اللّٰه عليه و سلّم[١]«من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له »و قد قال اللّٰه تعالى (وَ أَنْفَقُوا مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ سِرًّا وَ عَلاٰنِيَةً) [٢]ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب ،فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيه،فإن ذلك يختلف بالأحوال و الأشخاص
[١] البقرة ٢٧١
[٢] فاطر ٢٨