إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٤ - الثالث إعانة المعطى على إسرار العمل
بيان إخفاء الصدقة و إظهارها
قد اختلف طريق طلاب الإخلاص في ذلك،فمال قوم إلى أن الاخفاء أفضل و مال قوم إلى أن الإظهار أفضل.و نحن نشير إلى ما في كل واحد من المعاني و الآفات،ثم نكشف الغطاء عن الحق فيه
أما الاخفاء ففيه خمسة معان:
الأول :أنه أبقى للستر على الآخذ
،فان أخذه ظاهرا هتك لستر المروءة،و كشف عن الحاجة،و خروج عن هيئة التعفف و التصون المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله أغنياء من التعفف
الثاني :أنه أسلم لقلوب الناس و ألسنتهم
،فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه و يظنون أنه آخذ مع الاستغناء،أو ينسبونه إلى أخذ زيادة،و الحسد و سوء الظن و الغيبة من الذنوب الكبائر،و صيانتهم عن هذه الجرائم أولى و قال أبو أيوب السختياني :إنى لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيرانى حسدا.و قال بعض الزهاد:ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني:يقولون:من أين له هذا؟و عن إبراهيم التيمي أنه رئي عليه قميص جديد فقال بعض إخوانه:من أين لك هذا؟فقال كسانيه أخي خيثمة » و لو علمت أن أهله علموا به ما قبلته
الثالث:إعانة المعطى على إسرار العمل
،فان فضل السر على الجهر في الإعطاء أكثر، و الإعانة على إتمام المعروف معروف،و الكتمان لا يتم إلا باثنين،فمهما أظهر هذا انكشف أمر المعطى.و دفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فردّه إليه،و دفع إليه آخر شيئا في السر فقبله،فقيل له في ذلك،فقال:إن هذا عمل بالأدب في إخفاء معروفه فقبلته،و ذاك أساء أدبه في عمله فرددته عليه.و أعطى رجل لبعض الصوفية شيئا في الملا فردّه،فقال له:
لم ترد على اللّٰه عز و جل ما أعطاك؟فقال:إنك أشركت غير اللّٰه سبحانه فيما كان للّٰه تعالى و لم تقنع باللّٰه عز و جل،فرددت عليك شركك.و قبل بعض العارفين في السر شيئا كان رده في العلانية،فقيل له في ذلك،فقال:عصيت اللّٰه بالجهر فلم أك عونا لك على المعصية،