إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨ - الرابعة أن يتوقى مواقع الريبة
فلا يأخذ من أموال الأتراك و الجنود و عمال السلاطين و من أكثر كسبه من الحرام إلا إذا ضاق الأمر عليه و كان ما يسلم إليه لا يعرف له مالكا معينا فله أن يأخذ بقدر الحاجة،فان فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق به على ما سيأتي بيانه في كتاب الحلال و الحرام،و ذلك إذا عجز عن الحلال،فإذا أخذ لم يكن أخذه أخذ زكاة،إذ لا يقع زكاة عن مؤديه و هو حرام
الرابعة:أن يتوقى مواقع الريبة
و الاشتباه في مقدار ما يأخذه،فلا يأخذ إلا المقدار المباح ،و لا يأخذ الا إذا تحقق أنه موصوف بصفة الاستحقاق،فان كان يأخذه بالكتابة و الغرامة فلا يزيد على مقدار الدين،و إن كان يأخذ بالعمل فلا يزيد على أجرة المثل،و إن أعطى زيادة أبي و امتنع،إذ ليس المال للمعطي حتى يتبرع به،و إن كان مسافرا لم يزد على الزاد و كراء الدابة إلى مقصده ،و إن كان غازيا لم يأخذ الا ما يحتاج إليه للغزو خاصة من خيل و سلاح و نفقة ،و تقدير ذلك بالاجتهاد،و ليس له حدّ،و كذا زاد السفر،و الورع ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه،و إن أخذ بالمسكنة فلينظر أوّلا إلى أثاث بيته و ثيابه و كتبه هل فيها ما يستغنى عنه بعينه أو يستغنى عن نفاسته،فيمكن أن يبدل بما يكفي و يفضل بعض قيمته، و كل ذلك إلى اجتهاده،و فيه طرف ظاهر يتحقق معه انه مستحق،و طرف آخر مقابل يتحقق معه أنه غير مستحق،و بينهما أوساط مشتبهة،و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.و الاعتماد في هذا على قول الآخذ ظاهرا و للمحتاج في تقدير الحاجات مقامات في التضييق و التوسيع،و لا تنحصر مراتبه.و ميل الورع إلى التضييق،و ميل المتساهل إلى التوسيع،حتى يرى نفسه محتاجا إلى فنون من التوسع،و هو ممقوت في الشرع ثم إذا تحققت حاجته فلا يأخذن مالا كثيرا،بل ما يتمم كفايته من وقت أخذه إلى سنة.فهذا أقصى ما يرخص فيه من حيث إن السنة إذا تكررت تكررت أسباب الدخل، و من حيث«إنّ رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلّم[١]ادّخر لعياله قوت سنة»فهذا أقرب ما يحدّ به حدّ الفقير و المسكين.و لو اقتصر على حاجة شهره أو حاجة يومه فهو أقرب للتقوى