إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧ - الثالثة أن ينظر فيما يأخذه
و يتحقق أن فضل اللّٰه عليه فيما زواه عنه أكثر من فضله فيما أعطاه،كما سيأتي في كتاب الفقر تحقيقه و بيانه إن شاء اللّٰه تعالى.فليأخذ ما يأخذه من اللّٰه سبحانه رزقا و عونا له على الطاعة.و لتكن نيته فيه أن يتقوى به على طاعة اللّٰه،فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه اللّٰه عز و جل،فان استعان به على معصية اللّٰه كان كافرا لأنعم اللّٰه عزّ و جل،مستحقا للبعد و المقت من اللّٰه سبحانه
الثانية:أن يشكر المعطى و يدعو له
و يثنى عليه ،و يكون شكره و دعاؤه بحيث لا يخرجه عن كونه واسطة،و لكنه طريق وصول نعمة اللّٰه سبحانه إليه،و للطريق حق من حيث جعله اللّٰه طريقا و واسطة،و ذلك لا ينافي رؤية النعمة من اللّٰه سبحانه،فقد قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]«من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّٰه»و قد أثنى اللّٰه عز و جل على عباده في مواضع على أعمالهم و هو خالقها و فاطر القدرة عليها ،نحو قوله تعالى: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّٰابٌ) [١]إلى غير ذلك،و ليقل القابض في دعائه:طهر اللّٰه قلبك في قلوب الأبرار،و زكى عملك في عمل الأخيار،و صلّى على روحك في أرواح الشهداء.و قد قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]«من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ،فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتّى تعلموا أنّكم قد كافأتموه» و من تمام الشكر أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ،و لا يحقره،و لا يذمه،و لا يعبره بالمنع إذا منع،و يفخم عند نفسه و عند الناس صنيعه،فوظيفة المعطى الاستصغار،و وظيفة القابض تقلد المنة و الاستعظام،و على كل عبد القيام بحقه،و ذلك لا تناقض فيه،إذ موجبات التصغير و التعظيم تتعارض،و النافع للمعطي ملاحظة أسباب التصغير،و يضره خلافه، و الأخذ بالعكس منه :و كل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من اللّٰه عز و جل،فإن من لا يرى الواسطة واسطة فقد جهل و إنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا
الثالثة:أن ينظر فيما يأخذه
،فان لم يكن من حل تورع عنه (وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ يَحْتَسِبُ) [٢]و لن يعدم المتورع عن الحرام فتوحا من الحلال،
[١] ص:٤٤
[٢] الطلاق:٢،٣