إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٩ - فضيلة التسبيح و التحميد
فأما المؤمنون و الشهداء فقد قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]«أرواحهم في حواصل طيور خضر معلّقة تحت العرش» و هذه الحالة و ما أشير بهذه الألفاظ إليه لا ينافي ذكر اللّٰه عز و جل و قال تعالى:
(وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ [١]) الآية و لأجل شرف ذكر اللّٰه عز و جل عظمت رتبة الشهادة،لأن المطلوب الخاتمة و نعني بالخاتمة وداع الدنيا و القدوم على اللّٰه، و القلب مستغرق باللّٰه عز و جل منقطع العلائق عن غيره،فان قدر عبد على أن يجعل همه مستغرقا باللّٰه عز و جل،فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة الا في صف القتال،فإنه قطع الطمع عن مهجته و أهله و ماله و ولده،بل من الدنيا كلها فإنه يريدها لحياته،و قد هوّن على قلبه حياته في حب اللّٰه عز و جل و طلب مرضاته،فلا تجرد للّٰه أعظم من ذلك و لذلك عظم أمر الشهادة،و ورد فيه من الفضائل ما لا يحصى،فمن ذلك انه لما استشهد عبد اللّٰه بن عمرو الأنصاري يوم أحد قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]لجابر«ألا أبشّرك يا جابر قال بلى بشّرك اللّٰه بالخير قال إنّ اللّٰه عزّ و جلّ أحيا أباك فأقعده بين يديه و ليس بينه و بينه ستر فقال تعالى تمنّ علىّ يا عبدي ما شئت أعطيكه فقال يا ربّ أن تردّنى إلى الدّنيا حتّى أقتل فيك و في نبيّك مرّة أخرى فقال عزّ و جلّ سبق القضاء منّى بأنّهم إليها لا يرجعون» ثم القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة،فإنه لو لم يقتل و بقي مدة ربما عادت شهوات الدنيا إليه و غلبت على ما استولى على قلبه من ذكر اللّٰه عز و جل،و لهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة،فان القلب و ان ألزم ذكر اللّٰه عز و جل فهو متقلب،لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا،و لا ينفك عن فترة تعتريه،فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر من الدنيا و استولى عليه و ارتحل عن الدنيا،و الحالة هذه،فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحن بعد الموت إليه،و يتمنى الرجوع إلى الدنيا،و ذلك لقلة حظه في الآخرة،إذ يموت المرء على ما عاش عليه،و يحشر على ما مات عليه،فأسلم الأحوال عن هذا الخطر خاتمة الشهادة،
[١] آل عمران:١٦٩،١٧٠