إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٢ - و منها التدريج في البيان
لا يغنى عنه ظاهر التفسير،و هو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال بالقدرة الحادثة،و يفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة اللّٰه عز و جل حتى ينكشف بعد إيضاح أمور كثيرة غامضة صدق قوله عز و جل: (وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ [١]) و لعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى،و ما يرتبط بمقدماته و لواحقه،لا نقضى العمر قبل استيفاء جميع لواحقه،و ما من كلمة من القرءان إلا و تحقيقها محوج إلى مثل ذلك،و إنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم،و صفاء قلوبهم،و توفر دواعيهم على التدبر،و تجردهم للطلب،و يكون لكل واحد حق في الترقي إلى درجة أعلى منه،فاما الاستيفاء،فلا مطمع فيه و لو كان البحر مدادا و الأشجار أقلاما،فاسرار كلمات اللّٰه لا نهاية لها،فتنفد الابحر قبل أن تنفد كلمات اللّٰه عز و جل،فمن هذا الوجه تتفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير،و ظاهر التفسير لا يغنى عنه،و مثاله فهم بعض أرباب القلوب من قوله صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]في سجوده«أعوذ برضاك من سخطك و أعوذ بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»أنه قيل له اسجد و اقترب،فوجد القرب في السجود فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض،فان الرضا و السخط وصفان،ثم زاد قربه فاندرج القرب الأول فيه فرقى إلى الذات،فقال«أعوذ بك منك»ثم زاد قربه بما استحيا به من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فأثنى بقوله«لا أحصى ثناء عليك»ثم علم أن ذلك قصور فقال«أنت كما أثنيت على نفسك»فهذه خواطر تفتح لأرباب القلوب،ثم لها أغوار وراء هذا،و هو فهم معنى القرب و اختصاصه بالسجود،و معنى الاستعاذة من صفة بصفة و منه به،و أسرار ذلك كثيرة و لا يدل تفسير ظاهر اللفظ عليه،و ليس هو مناقضا لظاهر التفسير بل هو استكمال له، و وصول إلى لبابة عن ظاهره،فهذا ما نورده لفهم المعاني الباطنة لا ما يناقض الظاهر و اللّٰه أعلم:
تم كتاب آداب التلاوة،و الحمد للّٰه رب العالمين،و الصلاة على محمد خاتم النبيين،و على كل عبد مصطفى من كل العالمين،و على آل محمد و صحبه و سلم.يتلوه إن شاء اللّٰه تعالى كتاب الأذكار و الدعوات،و اللّٰه المستعان لا رب سواه
[١] الانفال:١٧