إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤١ - و منها التدريج في البيان
و كذلك قد يقع الإبهام في الحروف مثل قوله عز و جل: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً [١]) فالهاء الأولى كناية عن الحوافر و هي الموريات،أي أثرن بالحوافر نقعا.و الثانية كناية عن الاغارة،و هي المغيرات صبحا فوسطن به جمعا،جمع المشركين فأغاروا بجمعهم.و قوله تعالى (فَأَنْزَلْنٰا بِهِ الْمٰاءَ [٢]) يعنى السحاب (فَأَخْرَجْنٰا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰاتِ [٣]) يعنى الماء و أمثال هذا في القرءان لا ينحصر
و منها التدريج في البيان.
كقوله عز و جل: (شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [٤]) إذ لم يظهر به انه ليل أو نهار.و بان بقوله عز و جل: (إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ [٥]) و لم يظهر به أي ليلة فظهر بقوله تعالى: (إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [٦]) و ربما يظن في الظاهر الاختلاف بين هذه الآيات،فهذا و أمثاله مما لا يغنى فيه إلا النقل و السماع،فالقرآن من أوله إلى آخره غير خال عن هذا الجنس،لأنه أنزل بلغة العرب،فكان مشتملا على أصناف كلامهم من إيجاز و تطويل و إضمار و حذف و إبدال و تقديم و تأخير ليكون ذلك مفحما لهم و معجزا في حقهم،فكل من اكتفى بفهم ظاهر العربية،و بادر إلى تفسير القرءان و لم يستظهر بالسماع و النقل في هذه الأمور،فهو داخل فيمن فسر القرءان برأيه،مثل أن يفهم من الأمة المعنى الأشهر منه،فيميل طبعه و رأيه إليه،فإذا سمعه في موضع آخر مال برأيه إلى ما سمعه من مشهور معناه و ترك تتبع النقل في كثير معانيه،فهذا ما يمكن أن يكون منهيّا عنه دون التفهم لأسرار المعاني كما سبق،فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ظاهر التفسير و هو ترجمة الألفاظ،و لا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني،و يدرك الفرق بين حقائق المعاني و ظاهر التفسير بمثال،و هو أن اللّٰه عز و جل:قال (وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ رَمىٰ [٧]) فظاهر تفسيره واضح،و حقيقة معناه غامض،فإنه إثبات للرمي، و نفى له،و هما متضادان في الظاهر،ما لم يفهم انه رمى من وجه و لم يرم من وجه و من الوجه الذي لم يرم رماه اللّٰه عز و جل،و كذلك قال تعالى: (قٰاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّٰهُ بِأَيْدِيكُمْ [٨]) فإذا كانوا هم المقاتلين كيف يكون اللّٰه سبحانه هو المعذب،و ان كان اللّٰه تعالى هو المعذب بتحريك أيديهم،فما معنى أمرهم بالقتال؟فحقيقة هذا يستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات
[١] العاديات:٤،٥
[٢] الأعراف:٥٧
[٣] الأعراف:٥٧
[٤] البقرة:١٨٥
[٥] لدخان:٣
[٦] القدر:١
[٧] الانفال:١٧
[٨] التوبة:١٤