إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٠ - الثامن التأثر
و مثال العاصي إذا قرأ القرءان و كرره مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات و قد كتب إليه في عمارة مملكته و هو مشغول بتخريبها و مقتصر على دراسة كتابه،فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء و استحقاق المقت.و لذلك قال يوسف ابن أسباط:إنى لأهم بقراءة القرءان فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح و الاستغفار.و المعرض عن العمل به أريد بقوله عز و جل (فَنَبَذُوهُ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مٰا يَشْتَرُونَ) [١]و لذلك قال رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم:[١]«اقرءوا القرءان ما ائتلفت عليه قلوبكم و لانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه» و في بعضها(فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ)قال اللّٰه تعالى: (الَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [٢]و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم [٢]«إنّ أحسن النّاس صوتا بالقرءان الّذي إِذا سمعته يقرأ رأيت أنّه يخشى اللّٰه تعالى» و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٣]«لا يسمع القرءان من أحد أشهى منه ممّن يخشى اللّٰه عزّ و جلّ» فالقرآن يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب و العمل به،و إلا فالمئونة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة.و لذلك قال بعض القراء:قرأت القرءان على شيخ لي ثم رجعت لا قرأ ثانيا فانتهرنى و قال:جعلت القرءان علىّ عملا،اذهب فاقرأ على اللّٰه عز و جل فانظر بما ذا يأمرك و بما ذا ينهاك.و بهذا كان شغل الصحابة رضى اللّٰه عنهم في الأحوال و الأعمال، فمات رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم[٤]عن عشرين ألفا من الصّحابة لم يحفظ القرءان منهم إلاّ ستّة
[١] آل عمران:١٨٧
[٢] الأنفال:٢