إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٦ - ثالثها أن يكون مصرا على ذنب أو متصفا بكبر
فأنى تنكشف له المعاني؟و أعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس
ثانيها:أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد
و جمد عليه و ثبت في نفسه التعصب له بمجرد الانباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة و مشاهدة،فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده،فصار نظره موقوفا على مسموعه فان لمع برق على بعد و بدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة و قال:
كيف يخطر هذا ببالك و هو خلاف معتقد آبائك؟فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه و يحترز عن مثله،و لمثل هذا قالت الصوفية إن العلم حجاب،و أرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد،أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب و ألقوها إليهم،فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف و المشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابا و هو منتهى المطلب؟و هذا التقليد قد يكون باطلا فيكون مانعا:كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن و الاستقرار،فان خطر له مثلا في القدّوس أنه المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه،و لو استقر في نفسه لا نجرّ إلى كشف ثان و ثالث،و لتواصل،و لكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده الباطل، و قد يكون حقا و يكون أيضا مانعا من الفهم و الكشف لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب و درجات،و له مبدأ ظاهر و غور باطن و جمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر و الباطن في كتاب قواعد العقائد
ثالثها:أن يكون مصرا على ذنب أو متصفا بكبر
،مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فان ذلك سبب ظلمة القلب و صداه و هو كالخبث على المرآة فيمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه و هو أعظم حجاب للقلب،و به حجب الأكثرون.و كلما كانت الشهوات أشد تراكما كانت معانى الكلام أشد احتجابا،و كلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه، فالقلب مثل المرآة،و الشهوات مثل الصدأ،و معانى القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، و الرياضة للقلب باماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة،و لذلك قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١] «إذا عظّمت أمّتى الدّينار و الدّرهم نزع منها هيبة الإسلام،و إذا تركوا الأمر بالمعروف