إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣ - الخامس التفهم
و يروى«أنّه صلّى اللّه عليه و سلّم[١]قرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فردّدها عشرين مرّة» و إنما ردّدها صلّى اللّه عليه و سلم لتدبره في معانيها.و عن أبي ذر قال:«قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم[٢]بنا ليلة فقام بآية يردّدها و هي (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبٰادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ [١]) الآية و قام تميم الداري ليلة بهذه الآية (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئٰاتِ [٢]) الآية و قام سعيد ابن جبير ليلة يردد هذه الآية (وَ امْتٰازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [٣]) و قال بعضهم:إنى لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر.و كان بعضهم يقول:
آية لا أتفهمها و لا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابا.و حكى عن أبي سليمان الداراني أنه قال:
إنى لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال و لو لا أنى أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها.و عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها و لا يفرغ من التدبر فيها.و قال بعض العارفين:لي في كل جمعة ختمة،و في كل شهر ختمة،و في كل سنة ختمة و لي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد،و ذلك بحسب درجات تدبره و تفتيشه.و كان هذا أيضا يقول:أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومة و مجامعة و مشاهرة و مسانهة
الخامس:التفهم
،و هو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذا القرءان يشتمل على ذكر صفات اللّه عز و جل،و ذكر أفعاله،و ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام،و ذكر أحوال المكذبين لهم و أنهم كيف أهلكوا،و ذكر أوامره و زواجره،و ذكر الجنة و النار أما صفات اللّه عز و جل فكقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [٤]) و كقوله تعالى: (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاٰمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّٰارُ الْمُتَكَبِّرُ [٥]) فليتأمل معانى هذه الأسماء و الصفات لينكشف له أسرارها،فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين،و إليه أشار على رضى اللّه عنه بقوله[٣]«ما أسرّ إلىّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم شيئا كتمه عن النّاس إلاّ أن يؤتى اللّه عزّ و جلّ عبدا فهما في كتابه»فليكن حريصا على طلب ذلك الفهم
[١] المائدة:١١٨
[٢] الجائية:٢١
[٣] يس:٥٩
[٤] الشورى:١١
[٥] الحشر:٣٢