إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٢ - و أما زيارة المدينة
صلّى اللّه عليه و سلم عند تردداته فيها،و أنه ما من موضع قدم تطؤه إلا و هو موضع أقدامه العزيزة،فلا تضع قدمك عليه إلا عن سكينة و وجل،و تذكر مشيه و تخطيه في سككها،و تصور خشوعه و سكينته في المشي.و ما استودع اللّه سبحانه قلبه من عظيم معرفته و رفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه،و إحباطه عمل من هتك حرمته و لو برفع صوته فوق صوته.ثم تذكر ما منّ اللّه تعالى به على الذين أدركوا صحبته و سعدوا بمشاهدته و استماع كلامه،و أعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته و صحبة أصحابه رضى اللّه عنهم ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا و أنك من رؤيته في الآخرة على خطر،و أنك ربما لا تراه إلا بحسرة و قد حيل بينك و بينه قبوله إياك بسوء عملك،كما قال صلّى اللّه عليه و سلم[١] «يرفع اللّه إلىّ أقواما فيقولون يا محمّد يا محمّد!فأقول يا ربّ أصحابي!فيقول إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.فأقول بعدا و سحقا » فان تركت حرمة شريعته و لو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك و بينه بعدو لك عن محجته.و ليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول اللّه تعالى بينك و بينه بعد أن رزقك الايمان و أشخصك من وطنك لأجل زيارته من غير تجارة و لا حظ في دنيا،بل لمحض حبك له و شوقك إلى أن تنظر إلى آثاره و إلى حائط قبره إذ سمحت نفسك بالسفر بمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته،فما أجدرك بأن ينظر اللّه تعالى إليك بعين الرحمة فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرصة التي اختارها اللّه سبحانه لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم و لأوّل المسلمين و أفضلهم عصابة،و أن فرائض اللّه سبحانه أول ما أقيمت في تلك العرصة،و أنها جمعت أفضل خلق اللّه حيا و ميتا،فليعظم أملك في اللّه سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه، فادخله خاشعا معظما،و ما أجدر هذا المكان بأن يستدعى الخشوع من قلب كل مؤمن كما حكى عن أبي سليمان أنه قال:حج أويس القرني رضى اللّه عنه و دخل المدينة فلما وقف على باب المسجد قيل له:هذا قبر النبي صلّى اللّه عليه و سلم،فغشى عليه،فلما أفاق قال:أخرجونى فليس يلذ لى بلد فيه محمد صلّى اللّه عليه و سلم مدفون!