شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٤٠٧ - أحكام مذ ومنذ حين تجيئان ظرفا وغير ظرف
.................................................................................................
______________________________________________________
ما رأيته مذ يوم الخميس ، ويوم الجمعة اقتضى أنك لم تره في يوم الجمعة ، فلا فائدة في قولك بعد ويوم الجمعة ، وإن عطفت ماضيا على حال لم يجز ، فلا تقول : ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة ولا عكسه ؛ لأن «مذ» إذا دخلت على الحال كانت بمعنى «في» ، وإذا دخلت على الماضي كانت بمعنى «من» فهما مختلفان ، وإذا اختلفا امتنع العطف ، فإن قيل : فهل يجوز النصب على إضمار فعل؟ فالجواب أن يقول : إن تقدم الحال جاز ، وإن تقدم الماضي لم يجز ، ألا ترى أنه سائغ أن تقول : ما رأيته مذ يومنا ويوم الجمعة على تقدير : وما رأيته يوم الجمعة ، ولا يسوغ أن تقول : ما رأيته مذ يوم الجمعة ويومنا ؛ لأن قولك : يوم الجمعة يقتضي أنك رأيته في أوله وانقطعت الرؤية إلى زمن الإخبار ، فلا فائدة في قولك : ويومنا إلا أن يكون من باب قوله تعالى : (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ)[١].
ومنها : أنهما لا يدخلان إلا على الزمان كما تقدم ذكر ذلك ، فإن دخلا على غيره فمؤول ، ولا يدخلان منه إلا على المعدود أو معرفة ، فلا يجوز : ما رأيته مذ حين ، ولا مذ زمان ، ولا مذ وقت ، بخلاف مذ الليلة ومذ اليوم ، ولا يجوز مذ الليل ولا مذ النهار ؛ لأنّ النهار عبارة عن الضياء والليل عبارة عن الظلام ، وذلك لا يحصل شيئا ، فإن قيل : ألم يجز سيبويه : سرت الليل تريد ليل ليلك ، والنهار تريد نهار نهارك؟ [٢] فهلا أجزتم مذ الليل ومذ النهار على هذا المعنى؟ فالجواب : أن ذلك لا يتصرف و «مذ» توجب التصرف لما تدخل عليه ، لأنها ترفعه أو تجره [٣].
ومنها : أنهما لا يجران الصباح والمساء إلا قليلا ؛ لأن الصباح والمساء اسما مصدر ، والأصل الإصباح والإمساء ، وهاتان الكلمتان إنما يدخلان على الزمان ، والصباح والمساء وإن استعملا في الزمان ليس ذلك لهما بطريق الأصالة فلذلك لا تدخل عليهما مذ ومنذ في الغالب ، نعم إذا استعملا مرادا بهما الزمان جاز دخول «مذ ومنذ» حينئذ ، هذا معنى كلامه [٤] ، ومن هنا نشأ بحث وهو أنك إذا قلت : ما رأيته مذ أن الله خلقني ، فإن الفارسي يقدر زمانا محذوفا ؛ لأن (أن) ليست
[١]سورة الرحمن : ٦٨. شرح الجمل لابن عصفور (٢ / ٤١ ـ ٤٣).
[٢]ينظر : الكتاب (١ / ٢١٨).
[٣]شرح الجمل لابن عصفور (٢ / ٤٣).
[٤]ينظر : شرح الجمل لابن عصفور (٢ / ٤٤).